الرئيسية / أخر المستجدات / أمريكا وعسكرة العلاقات الدولية

أمريكا وعسكرة العلاقات الدولية

د. أحمد سيد أحمد/

كان من أبرز سمات العام الماضي هو عسكرة النظام الدولي وتفاعلات العلاقات الدولية، الذي انعكست مؤشراته في اندلاع العديد من بؤر الصراع، وعلى رأسها الحرب الروسية – الأوكرانية التي كانت لها تداعيات سلبية اقتصادية واجتماعية وأمنية، ليس فقط على طرفي الأزمة بل العالم كله. كذلك ارتفاع منسوب التوتر في شبه الجزيرة الكورية ومنطقة جنوب شرق آسيا بين أمريكا وحلفائها، اليابان وكوريا الجنوبية، من ناحية، والصين وكوريا الشمالية من ناحية أخرى. كذلك تزايد المناورات العسكرية، خاصة الروسية الصينية والتي تستهدف ردع التهديدات النابعة من الجانب الأمريكي. كما انعكست عسكرة العلاقات الدولية في تزايد حجم الإنفاق العسكري، خاصة من جانب الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا 770 مليار دولار، تليها الصين 330 مليار دولار، ثم روسيا 70 مليار دولار، وإعلان اليابان سياستها الدفاعية الجديدة بإنفاق 300 مليار دولار على مدار خمس سنوات، وتطوير هذه الدول لقدراتها العسكرية من الأسلحة الذكية والأسلحة الاستراتيجية، حيث طورت روسيا أسلحة استراتيجية من الصواريخ الباليستية مثل الصاروخ الشيطان2 العابر للقارات، كذلك الاتجاه المتزايد نحو استخدام الأسلحة النووية الاستراتيجية والتكتيكية، خاصة على هامش الأزمة الأوكرانية وهو ما يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. إضافة إلى تصاعد استخدام سلاح العقوبات في العلاقات الدولية من جانب أمريكا والغرب تجاه الخصوم مثل روسيا والصين و إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها. هذه العسكرة المتزايدة في العلاقات الدولية ناتجة بشكل أساسي عن عدة عوامل.

أولها: تزايد حدة الاستقطاب بين القوى الكبرى والصراع فيما بينها على بنية النظام الدولي، حيث تتشبث أمريكا بالحفاظ على النظام أحادي القطبية واستمرار هيمنتها العسكرية والاقتصادية والسياسية على العالم، في المقابل تسعى روسيا والصين من أجل التحول للنظام الدولي متعدد القطبية، يشمل الدولتين إلى جانب أمريكا، وهو ما انعكس في سعيهما لامتلاك مقومات القوة الشاملة العسكرية والاقتصادية والسياسية وتعزيز الشراكة الإستراتيجية فيما بينهما. هذا الصراع على النظام الدولي كان سببا رئيسيا في اتجاه أمريكا نحو العسكرة وبناء التحالفات والشراكات الاستراتيجية مع الحلفاء لتحجيم صعود كل من الصين وروسيا، حيث سعت لإشعال بؤرة أوكرانيا واستنزاف روسيا فيها، وبناء شراكات مع الأوروبيين لفرض العقوبات على روسيا خاصة في قطاع النفط والغاز والدعم العسكري اللامحدود لأوكرانيا، وكذلك محاولة إشعال جبهة تايوان لاستنزاف الصين وبناء شراكات مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وأيضا الهند عبر تحالف كواد، وهذا الاستقطاب الحاد بين القوى الكبرى واستخدام الحروب بالوكالة أدى إلى تعقيد الأزمات المختلفة سواء في أوكرانيا أو في تايوان وغيرها.

ثانيها: تراجع، بل فشل الدبلوماسية والحوار في إدارة العلاقات الدولية والتسوية السلمية للنزاعات والحروب مقابل الاعتماد بشكل أساسي على الخيار العسكري لتحقيق انتصارات، وبالتالي فرض منطق التسوية من جانب كل طرف. وقد غلب على كثير من الصراعات الدولية، خاصة أزمة أوكرانيا نظرية المباراة الصفرية، أي إما منتصر أو مهزوم، دون الوصول إلى صيغة توافقية عبر المفاوضات تحقق الحد الأدنى من مصالح كل طرف، حيث يطرح كل منهما شروطه التعجيزية المسبقة، وهذا التناقض في الرؤى أو مفهوم السلام أطال من أمد النزاع وتعقيده وارتفاع تكلفته البشرية والعسكرية. فروسيا وأوكرانيا فشلتا حتى الآن في إنهاء الحرب والدخول في مفاوضات مباشرة وجادة نتيجة لتناقض موقفيهما من الحل، حيث تطالب أوكرانيا بانسحاب كامل لروسيا من أراضيها بما فيها الأقاليم الأربعة التي ضمتها، لوجانسك ودونيسك وزابورجيا وخيرسون، إضافة للقرم، وهو ما ترفضه روسيا، حيث تعتبر أنها أصبحت جزءا من السيادة الروسية، وتقف أمريكا والغرب من الخلف وراء تعنت أوكرانيا من المفاوضات، حيث إن الهدف هو استنزاف روسيا واستخدام أوكرانيا للضغط عليها، كما هو الحال في تايوان، للضغط على الصين.

ثالثها: غياب دور الأمم المتحدة، خاصة مجلس الأمن الدولي، في حفظ السلم والأمن الدوليين وحل الصراعات والأزمات الدولية ومنها أزمة أوكرانيا وكذلك تايوان وغيرها من الصراعات، بسبب الاستقطاب الدولي وانخراط القوى الكبرى الثلاث، أمريكا وروسيا والصين، في هذه الأزمات والحروب بشكل مباشر أو غير مباشر، واستخدامها لحق النقض «الفيتو» ضد أي قرار يصدر من المجلس يتعارض مع مصالحها ومواقفها، وهو ما جعل المجلس عاجزا عن التدخل في حل أزمة أوكرانيا، وكذلك نزع فتيل الأزمة في تايوان أو أزمة البرنامج النووي لكوريا الشمالية أو أزمة البرنامج النووي الإيراني، وهذا ما أفقد الثقة والمصداقية في النظام القانوني الدولي الذى تمثله الأمم المتحدة ويتطلب معه ضرورة إصلاح مجلس الأمن لكى يكون أكثر فاعلية في التعامل مع الأزمات والحروب ومصادر التهديد الجديدة خاصة الأوبئة والأمراض والتغير المناخي والأمن المائي وأمن الغذاء والطاقة، والتي تؤثر سلبا على العالم كله. على الرغم من أن إدارة بايدن رفعت شعارات الحوار والدبلوماسية في السياسة الأمريكية إلا أنها على أرض الواقع لجأت إلى عسكرة العلاقات الدولية، وذلك لاعتبارات اقتصادية والاستفادة من الصراعات والأزمات لتقوية اقتصادها وبيع الأسلحة، ولاعتبارات استراتيجية لتحجيم الصعود الصيني والروسي. ولا شك أن عسكرة النظام الدولي لها تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة، خاصة في أمن الطاقة والغذاء وهو ما يزيد من معاناة البشرية، خاصة مع استمرار تلك السياسة في المدى المنظور وتزايد احتمالات اندلاع حرب عالمية جديدة بين القوى الكبرى.