الرئيسية / أخر المستجدات / أهداف روسيا معلنة
د عبد الإله بلقزيز/ لم تُخف القيادة الروسية أهدافها من إطلاق عمليتها العسكرية في أوكرانيا، ولا أخفت منها أهدافاً وأفصحت عن أخرى، وإنما صرحت بها جميعها منذ الأيام الأولى للعمليات: نزع سلاح أوكرانيا وضمان حيادها في المواجهة الروسية الأطلسية،

أهداف روسيا معلنة

د عبد الإله بلقزيز/

لم تُخف القيادة الروسية أهدافها من إطلاق عمليتها العسكرية في أوكرانيا، ولا أخفت منها أهدافاً وأفصحت عن أخرى، وإنما صرحت بها جميعها منذ الأيام الأولى للعمليات: نزع سلاح أوكرانيا وضمان حيادها في المواجهة الروسية الأطلسية، وحفظ أمن جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك في حوض دونباس الشرقية، واعتراف كييف باستقلالهما وبسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، ثم استئصال جماعات النازيين الجدد التي تغلغلت في أجهزة الدولة والجيش ومارست (تقول روسيا) سياسة تصفية روس أوكرانيا.

تصر الدوائر السياسية الغربية على القول إن أهداف روسيا الفعلية من اجتياحها شرقي أوكرانيا أكبر من المعلن وأبعد: احتلال الأراضي الأوكرانية برمتها، وتغيير النظام القائم فيها بإقامة نظام تابع تحت سيطرتها. وتستدل على ذلك بإقدامها سابقاً على ضم شبه جزيرة القرم إليها، وبحملاتها المستمرة على النظام الجديد الذي قام في عام 2014. والتقدير الغربي هذا هو ما كان في أساس تحذيرات «حلف شمال الأطلسي» لروسيا من اجتياحها لأي من أراضي الدول المجاورة التابعة للحلف، مثل رومانيا وبولونيا وهنجاريا؛ إذ ما كان يبرر مثل هذه التحذيرات سوى توقعات من الغرب أن روسيا ماضية في ابتلاع كل أوكرانيا.

ومن البين أن ما تدعيه دول الأطلسي من وجود نية لدى روسيا في تغيير النظام واحتلال كامل أوكرانيا تكذّبه الوقائع السياسية والعسكرية الجارية. وثمة قرائن أربع على ذلك:

أول قرينة على زيف الادعاء أن روسيا تفاوض اليوم (في بيلاروسيا وفي أنطاليا) نظام زيلينسكي. ومعنى ذلك أنها لا تزال تعترف بأنه النظام الرسمي القائم في البلاد، وأنه ليس في نيتها إسقاطه منذ البداية. ولو كان ذلك وارداً عندها لرفضت  من حيث المبدأ  الاعتراف بشرعيته وامتنعت عن مفاوضته، أو لاكتفت بالتفاوض مع قيادة الجيش الأوكراني.

وثانيها أن غرب أوكرانيا لم يكن يعني روسيا  ولا هو يعنيها اليوم  لأسباب عدة: قومية؛ حيث لا تعيش فيه أعداد من الروس مختلفة الثقافة والانتماء القومي واللغة، كما هي الحال في الشرق الأوكراني، أو دينية؛ حيث الأغلبية الساحقة من أوكرانيي الغرب كاثوليك وليسوا أرثوذوكساً مثل سكان مناطق الشرق التابعين للكنيسة الأورثوذوكسية الروسية. وما من مصلحة لروسيا في أن يجد جيشها نفسه (في الغرب) في بيئة قومية ودينية معادية.

وثالثها أن سيطرة روسيا على غربي أوكرانيا ستضعها في تماس مباشر مع دول «حلف شمال الأطلسي»، وهو ما لا تريده لنفسها؛ بل كان تفاديها له في أسباب إصرارها على حياد أوكرانيا، وعلى عدم ضم «الناتو» لها على النحو الذي يضع الأخير على حدودها، ويحوّل وجوده إلى تهديد أمني ووجودي لها. وعليه، تعادل سيطرتها على غربي أوكرانيا في النتائج، انضمام الأخيرة إلى منظومة الأطلسي.

أما رابعها فهو أن المماثلة بين ضم روسيا شبه جزيرة القرم إليها، والسيطرة المزعومة على أوكرانيا كلها مماثلة لاتجوز. فروسيا لا تعلن عن مطالب ترابية غربي أوكرانيا، بينما لم تخف يوماً علاقتها الخاصة والتاريخية بشبه جزيرة القرم. والعلاقة هذه إذا كان لها ما يبررها في التاريخ السوفييتي المعاصر، حيث لم تصبح جزيرة القرم جزءاً من كيان أوكرانيا إلا في عام 1954 (حين أهداها نيكيتا خروتشوف لأوكرانيا لتعزيز انتمائها إلى الاتحاد السوفييتي)، فيما ظلت جزءاً من روسيا منذ حكم كاترين العظيمة في ثمانينات القرن 18، حتى 1954؛ بل لهذه العلاقة ما يبررها اليوم، حيث يقطنها قرابة 80% من الروس، فضلاً عن أن سكانها هم أنفسهم من أجروا في عام 2014، استفتاء شعبياً اختاروا فيه بأغلبية تزيد على 90% الانضمام إلى روسيا؛ لذلك لا علاقة بين سيطرة مزعومة على غربي أوكرانيا و«سابقة» السيطرة الروسية على القرم: وقد كانت بقرار من أهلها.

وما أغنانا عن القول إن جذور هذه الأزمة تجذرت منذ إزاحة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش عن السلطة في كييف في مطلع عام 2014، لتمسكه بحياد أوكرانيا، وتعيين سلطة موالية للغرب، ومدافعة عن الانضمام إلى حلف «الناتو».

لقد دفعت النخبة الأوكرانية الجديدة المعادية لروسيا  وعلى رأسها بيترو بوروشينكو الذي جيء به رئيساً في 2014  إلى تنفيذ سياسات غربية ضد روسيا سخرت فيها كييف مخلب قط. وهما معاً (الغرب والنخبة الموالية في كييف) من أوصلا النزاع إلى تلك اللحظة الانفجارية.

[email protected]