الرئيسية / أخر المستجدات / الأمم المتحدة ومسار العجز والفشل

الأمم المتحدة ومسار العجز والفشل

بثينة عليق/

أهم دروس الحرب الإسرائيلية على غزة أن الرهان على الأمم المتحدة ومؤسساتها ووكالاتها لا يختلف عن الرهان على الولايات المتحدة الأميركية، ولن يولد إلا السراب.

لا شكّ في أن عجز المنظمات الدولية، وتحديداً الأمم المتحدة، ليس جديداً، وأن محطات الانهيار والخروج عن الخدمة تراكمت على مدى عقود، إلا أن الحرب الإسرائيلية التي تشن على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 شكّلت، كما أشار أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه ما قبل الأخير، محطة مفصلية على طريق تثبيت عجزها وقلة حيلتها وعدم قدرتها.

رأى السيد نصر الله أن واحدة من النتائج المهمة التي أثبتتها غزة بعد عملية طوفان الأقصى “أن المؤسسات الدولية والنظام الدولي والمجتمع الدولي والقانون الدولي ليس قادراً على حماية أي شعب”، وهذا ما تؤكده الوقائع والمعطيات، فالأمم المتحدة لم تستطع أن تكون أمينة، ولو بالحد الأدنى، لميثاقها ووظيفتها التي تتلخص بالوقاية من تجدد كوارث الحرب والدفع باتجاه إيقاف الحروب في حال حصولها من جهة، والدفاع عن الشعوب المظلومة من جهة ثانية.

تهشيم الأمم المتحدة التي يراها البعض “فكرة جيدة، ولكن ضلت الطريق”، لم يحصل بمعزل عن الولايات المتحدة الأميركية. واشنطن الممول الرئيسي لها هي أيضاً صاحبة السهم الأكبر في إيصال المنظمة إلى ما وصلت إليه من الانحراف عن أهدافها التي قامت من أجلها.

خلال حرب غزة الأخيرة مثلاً، فشلت المنظمة في أن تقوم بمهامها المطلوبة ولو بالحد الأدنى، على الرغم من آلة القتل الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، ووصلت نتائجها إلى مستوى الإبادة الجماعية.

وواشنطن هي التي دفعت باتجاه هذا العجز من خلال وقوفها سداً منيعاً أمام إصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بإيقاف الحرب ومن خلال إفراغها قرار أمين عام الأمم المتحدة غوتيريش بتفعيل المادة 99 من معناه وجدواه.

غوتيريش الذي اعتبر أن ما قامت به المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر لم يأتِ من فراغ استخدم صلاحياته التي تسمح له بتفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتيح له “لفت انتباه” مجلس الأمن إلى ملف يمكن أن يعرض السلام والأمن الدوليين للخطر.

أضعف الإيمان هذا الذي لجأ إليه غوتيريش في ظل المجزرة غير المسبوقة التي ترتكبها “إسرائيل” منذ 7 تشرين الأول/تشرين الأول، وبعد تحرك الرأي العام العالمي، لم يرضِ واشنطن ولا “إسرائيل”، ما دفع الموظف الأممي، كما يبدو، إلى العودة إلى نغمة التعبير عن الإدانة وإلى مقعد المتفرجين على عملية الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

باختصار، هذا ما يناسب واشنطن: أن تكون المنظمة الدولية أداة لتحقيق أهدافها وللتصديق على قراراتها. أما التمايز، ولو البسيط والشكلي عن الموقف الأميركي، والذي اعتمدته المنظمة الدولية في بعض المحطات، كما خلال حرب غزة، فقد تحول إلى سبب لكراهية الأميركيين للمنظمة، بعدما اعتبروا أنها عقبة تقف عائقاً أمام السعي النشط لتحقيق مصالحهم “القومية”.

في هذا السياق، يأتي تصنيف السيناتور الأميركي مكارثي للأمم المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي كـ”عميل للنفوذ الشيوعي”، مع أن الصورة الشهيرة لخروتشوف وهو يدق بحذائه على طاولة الأمم المتحدة تظهر في الوقت نفسه ازدراء سوفياتياً لا يتناسب مع التوصيف الذي أطلقه عدو الشيوعية الأميركي الأشهر.

لم تتغير النظرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ووصل العداء إلى ذروته بعد معارضة الأمم المتحدة للغزو الأميركي للعراق. منذ ذلك الوقت، ازدادت الانتقادات الأميركية للمنظمة الدولية الأبرز. الصحافي الأميركي إريك شون اعتبرها “منظمة باهظة التكلفة ومنبت الجمود”، وذلك في كتاب له حمل عنوان: “كيف خربت الأمم المتحدة الأمن الأميركي وأفشلت العالم؟”.

يعبّر العنوان عن نظرة تيار واسع في واشنطن للأمم المتحدة ودورها. ويبدو أن الصحافي العامل في فوكس نيوز من أشد المتبنين لها. هذا ما يظهره بوضوح في كتابه، إذ تكفل بتفصيل هذه النظرة وتشريحها، فأشار إلى “أن الأمم المتحدة مرتع للكسل والتراخي، وأنها تزخر بالعجز الشديد، ويتمتع سفراؤها وهيئة العاملين فيها بأساليب الحياة الفخمة والمعفاة من الضرائب في مانهاتن وغير ذلك من الامتيازات”.

قد تفسر هذه النظرة إرسال واشنطن إلى المبنى المستطيل المطل على النهر الشرقي في مدينة نيويورك شخصيات غير محبوبة، مثل جون بولتون ومادلين أولبرايت، ليتبوأوا موقع المندوب الدائم لبلادهم. جون بولتون تحديداً أدى دوراً كبيراً في التعبير عن الكراهية والعداء الأميركيين للمنظمة الدولية.

لقد كان الرجل “عقبة كبيرة في سبيل عمل الأمم المتحدة بسهولة ويسر على مستويات عديدة”، كما يوضح جيمس تراوب في كتابه “النيات الأفضل… كوفي أنان والأمم المتحدة في عصر الهيمنة”، ويضيف “أن الجهود المخلصة من أجل الإصلاح المؤسسي والإجرائي كان بولتون والفريق الذي يعمل معه يقضون عليها، إذ كان بولتون يطالب بإصلاح إداري ضخم، في حين أنه كان يحول دون التوصل إلى أي تسويات قد تحقق ذلك بالفعل”.

ويتحدث الكاتب عن تشكيل بولتون تحالفاً فعلياً من أجل إبقاء الأمم المتحدة غير فعالة، وعن رفض الإدارة الأميركية التنازل قيد أنملة في المفاوضات بشأن إصلاح مجلس حقوق الإنسان أو إنشاء لجان بناء السلام أو النظام الدولي الجديد لنزع السلاح.

يضيف تراوب أن بولتون لم يعارض الإصلاح الفعال للأمم المتحدة فحسب، بل “انتهز أيضاً كل فرصة لازدراء المؤسسة نفسها، إذ وصفها تكراراً بالعاجزة التي لا تتناسب مع مقتضى الحال”. كره بولتون الشديد للأمم المتحدة لم يكن ذا طابع شخصي؛ الرجل كان يمثل الرأي الأميركي الرسمي، فكوندوليزا رايس وزملاؤها لم يكونوا أكثر احتراماً للمنظمة الدولية، بل إن تعيين بولتون ينمّ عن احتقار الإدارة في واشنطن للأمم المتحدة.

يشير تراوب إلى أن بولتون كان يتصرف كـ”بلطجي محترف، ولم يكن هو المشكلة ذاتها، بل أحد أعراضها فحسب”. بالفعل، إن العودة إلى أداء الرؤساء الأميركيين منذ ترومان حتى اليوم تؤكد أنهم كان يعتبرون أن الأمم المتحدة وسيلة يمكن الحصول على الكثير منها: الدعم السياسي والإذعان الدولي والتغطية القانونية، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا إذا جرى التحكم في المنظمة ووكالاتها ومؤسساتها.

والتحكّم، وفق المدرسة السياسية الأميركية، لا يتحقق إلا من خلال إغراق الأمم المتحدة بالفساد ومنع أي هامش للاستقلالية، وهذا ما حصل، من فضيحة “النفط مقابل الغذاء” إلى الفضائح الأكبر في معالجة الأمم المتحدة الرعناء لمأساة البوسنة وعجزها في رواندا وعدم اتخاذها أي إجراء بشأن دارفور والعراق وليبيا والسودان وغيرها من المآسي التي حلت بعدد من دول العالم وشعوبها. كما تبنت مؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة إلى حد بعيد الخطاب واللغة والبرامج التي تتناسب وأهداف الولايات المتحدة الأميركية.

قوات حفظ السلام التي تضم ذوي البيريهات الزرقاء ومراقبي الحدود التابعين لها ومدربي أفراد الشرطة ومراقبي الانتخابات ومفتشي الأسلحة وغيرها يتحركون وفق ما تقتضيه المصالح الأميركية. وتحت السقف الأميركي تعمل منظمات اليونيسكو واليونيسف والوكالات العديدة في مجالات الطفولة والسكن والبيئة والزراعة والتنمية والتعليم والطب ورعاية اللاجئين، إضافة إلى تلك التي يتم إنشاؤها لمعالجة أزمات بعينها.

في الوقت نفسه، تدخلت أميركا بسرعة لافتة لمنع أي بوادر لاستقلالية المنظمة الدولية ووكالاتها، ولو بنحو محدود أو نسبي.

هذا الأداء ليس مستغرباً، فالروح السائدة في أروقة الأمم المتحدة لا تنفصل عن تلك التي سادت في المجتمع الدولي، وموازين القوى هي هي. لم ينظر الأوروبيون إلى الأمم المتحدة كوسيلة يستعاض بها عن ميدان المعركة إلا بعدما أمضوا 30 سنة خلال القرن الماضي في تعذيب وقتل عشرات الملايين من الأوروبيين الآخرين. أما عندما كانوا يعذبون السكان الأصليين في المستعمرات ويقتلونهم، فلم يفكروا في ضرورة استبدال ساحات القتل بطاولات الحوار وغرف المؤتمرات.

ولم يتحرك العالم بسبب قتل مئات الآلاف من العراقيين، إنما بسب مقتل 3 آلاف جندي أميركي في العراق. وبطبيعة الحال، لن يسمح الأميركيون، ومعهم معظم الأوروبيين، بتفعيل الأمم المتحدة والقانون الدولي من أجل حماية الفلسطينيين حتى بعد تنفيذ “إسرائيل” محرقة أودت بنحو 25 ألف فلسطيني على الهواء مباشرة وقيامها بتهجير مئات الآلاف وتدمير عشرات الآلاف من المساكن.

لذلك، فإن أهم دروس الحرب الإسرائيلية على غزة أن الرهان على الأمم المتحدة ومؤسساتها ووكالاتها لا يختلف عن الرهان على الولايات المتحدة الأميركية، ولن يولد إلا السراب، وأن مراكمة القوة في فلسطين وفي المنطقة هي الشرط الأساسي لاستعادة الحقوق ولإرساء العدالة ولحماية المظلومين.