الرئيسية / أخر المستجدات / الاجتماع لإنساني والسلطة
عبد الإله بلقزيز

الاجتماع لإنساني والسلطة

د عبد الإله بلقزيز/

قيامُ الاجتماع الإنساني على التّعاون لا يكفي، كي يضمن استقرارَه وديمومته. نعم، هو شرط لازِب للانتقال من المجتمع الطّبيعيّ إلى المجتمع الإنسانيّ؛ وهو الذي تقيم به الجماعة أَوَدَها فتحصِّل غِذاءَها بتضافُر القُدَرِ الكثيرة عليه، وتؤمِّن به أمنَها باصطناع أسبابه من سلاحٍ لكف عداء الضّواري على ما يرى ابن خلدون. ومع ذلك، ليس في قيام ذلك التّعاون، بين أعضاء الجماعة، واستتبابِه ما من شأنه أن ينزع منها أسبابَ التّعادي ودواعيه في نطاق علاقات التّعاون نفسه. بل لا شيء يمنع من أن يكون النّزاعُ داخلها والعداء المتبادَل ممّا يتولّد من تعاوُنها نفسه، وممّا يُعرِّض ذلك التّعاونَ للفناء عند لحظةٍ مّا منه. لا بدّ، إذن، من قوّةٍ تردع العَداء وتمنعه؛ بل وتحفظ التّعاون نفسه مما يتهدّده من خطر الانفراط.

يسمّي ابن خلدون، والفلاسفةُ قبله، هذه القوّة الرّادعة ب «الوازع السّياسي»؛ أي القوّةَ السّياسيّةَ التي تَزَع النّاسَ (تردعهم) عن بعضهم البعض، فتمنع التّعادي والتّجاوزات، وتضرب بيدٍ من القوّة مَن يأتي أفعال انتهاك الأمن الاجتماعيّ، فيهدّد السِّلم الاجتماعيّ، لتُجبِره على الانكفاء واحترام استقرار الاجتماع الإنسانيّ وعلاقات التّعاوُن والتّعايُش فيه. والقوّة الرّادعة هذه لا يمكن إلاّ أن تكون من داخل الاجتماع الإنسانيّ، وأن تفرض هيبتها حتّى تنجح في أداء وظيفة ردْع المخالفات وإيقاع العقوبات بمرتكبيها. أمّا كيف تنشأ – بحربٍ أو بغلبة جماعة أهليّة على أخرى أو باتّفاق؟ فذلك ممّا ظلّ موضع جدلٍ بين الفلاسفة والمفكّرين في تاريخ الفكر. لكنّ الذي لم يَدُر في شأنه جدل هو مبدأ الحاجة إلى وجود هذا الوازع السّياسيّ في الاجتماع الإنسانيّ: الذي لا استقرار له ولا استمرار من دونه.

هذا الوازع هو السّلطة؛ السّلطة التي تكون للمجتمع بمثابة الإِسمنت الذي يلحمه. لذلك ما كانتِ الدّولة تفصيلاً عادياً أو طارئاً في يوميّات أيّ اجتماعٍ إنسانيّ؛ بل هي منه بمنزلة قوّةِ الإيجاد والخلق. إنّ قيامها يُؤْذِن بانتقال الاجتماع الإنسانيّ انتقالته الحاسمة إلى اجتماعٍ سياسيّ؛ وفي هذا الشّكل منه فقط يصبح اجتماعاً إنسانيّاً منظَّماً، فما الدّولةُ إلاّ المجتمع وقد صار منظَّماً، أي محكوماً بشرع (قانون). وعليه، فإنّ مبدأ تنظيمه وإدارة شؤونه (أي السّلطة) هو عينه مبدأ إعادة إنتاجه كمجتمعٍ قابلٍ للحياة والبقاء، وقادرٍ على مدافعة نفسه، وعلى حماية علاقات السّلم والاستقرار في كيانه الدّاخليّ.

إذا كان مبْنى الاجتماع الإنسانيّ على الغريزة الحاكمة للسّلوك الفرديّ والجماعيّ، في رأي فلاسفة كثر من أفلاطون إلى ليو شتراوس، فإنّ لحظة قيام السّلطة والدّولة فيه هي لحظة اكتمال تكوُّن العقل وأدائه دور القوّة الكابحة للغرائز الاجتماعيّة: العدوان وتوسُّل القوّة في مواجهة الغير قصد حيازة الأشياء. وكما أنّ القوّة العاقلة في النّفس تكبح جِماح القوّة الشّهوانيّة والقوّة الغضبيّة فتُخضِعهما لها، كذلك تفعل الدّولة أمام عوامل الانفعال الغرائزيّ في المجتمع، وما يتولّد منه من عدوانٍ وشرورٍ وروح افتراسيّة. لذلك ما كان مستَغْرَباً أن يميل مفكّرو السّياسة وفلاسفتُها، دائماً، إلى إقامة مماثلات بين الاجتماع الإنسانيّ والنّفس البشريّة، والنّظر إلى قوى كلٍّ منهما بوصفها رديفاً للأخرى في الفعاليّة؛ فكلاهما – عندهم – قائمٌ على منازع، وكلاهما يشتركان في الفاعل ذاته: الإنسان.

ليس من مجتمعٍ، على الحقيقة، سابق الوجودِ على الدّولة. في حقبة ما قبل الدّولة لا وجود إلاّ لمجتمع طبيعيّ من القطيع البشريّ الذي لا نظام له سوى آمِرِ الغريزة أو قوانين الطّبيعة نفسها التي يشترك في الخضوع لها (ذلك القطيعُ البشريّ) مع سائر الكائنات الحيّة. إنّ المجتمع قبل قيام الدّولة أشبه ما يكون بتلك الحال الافتراضيّة التي تحدَّث عنها فلاسفة العقد الاجتماعيّ، وأطلقوا عليها اسم حالة الطّبيعة؛ والتي ما كان لها من مبرِّر في نسقهم الفلسفيّ سوى تأسيس مشروعيّة الدّولة. وهكذا لا يقوم مجتمعٌ إلا حين تقوم معه دولة، لأنّها مبدأُ قيامه وأساسُه ومحرِّكُه. ومثلما أخطأ الذين تصوّروا أنّ الدّولة لحظةٌ تالية على تكوُّن المجتمع؛ بل وأنّ وجود هذا كان من ممكنات التّاريخ المتحقّقة، كذلك يخطئ أولئك الذين يفترضون إمكانَ قيام مجتمعٍ من غير دولة أو من غير حاجةٍ إلى دولة؛ لأنّ الدّولة وحدها تصنع منه مجتمعاً منظّماً.

إنّ الاجتماع الإنسانيّ معلَّقُ القيام والبقاء والاستمرار على نشوء السّلطة فيه، وقيامها بأداء تلك الأدوار كلّها، فهو لا يكون اجتماعاً – على الحقيقة – إلاّ متى كان اجتماعاً سياسيّاً.

 

[email protected]