الرئيسية / أخر المستجدات / الاستشراق وإلغاء التاريخ
د عبد الإله بلقزي/ ليس من شكٍّ في أنّ معرفة المستشرقين للُغات الشّرق - وهي كانت رصينةً لدى أجيالهم الأولى في القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين - سمحت لهم بالكثير من الممكنات المعرفيّة في علاقتهم بثقافاته؛ لا فقط بالاطّلاع على تلك الثّقافات في

الاستشراق وإلغاء التاريخ

د عبد الإله بلقزي/

ليس من شكٍّ في أنّ معرفة المستشرقين للُغات الشّرق – وهي كانت رصينةً لدى أجيالهم الأولى في القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين – سمحت لهم بالكثير من الممكنات المعرفيّة في علاقتهم بثقافاته؛ لا فقط بالاطّلاع على تلك الثّقافات في أصولها، رأساً لا من طريق التّرجمات، بل أيضاً – وربّما أساساً – بتوسُّل اللّغة بما هي مفتاح فهم «جوهر» تلك الثّقافات والبابُ الأَشْرَع للولوج منه إلى عالمها الدّاخليّ. في هذه المسألة، بالذّات، يتميّز المستشرقون العارفون بلغات الشّرق عن غيرهم من المستشرقين الذين يكتفون بالتّرجمات عن المصادر الثّقافيّة الشّرقيّة – وضمنها الإسلاميّة – باللّغات الأوروبيّة الحديثة؛ بل يمتازون ويتفوّقون عليهم بامتلاكهم ذلك الرّأسمال اللّغويّ الذي يتيح لهم القيام بسياحة فكريّة فسيحة داخل تلك الثّقافات. وهذه ملاحظة من السّهل التّأكّد من صحّتها من مضاهاة ما يكتُبه غيرُ العارفين باللّغة العربيّة منهم، مثلاً، مع ما يكتبه المُلِمُّون بها القارئون تراثَ الإسلام بها… وعلى ذلك يقاس في باقي الثّقافات الشّرقيّة – ولغاتها – التي ظلّ المستشرقون مشغولين بها علميّاً إلى عهدٍ قريب من نهايات القرن العشرين.

سمحت تلك المعرفة باللّغات الشّرقيّة، إذن، بازدهار الدّراسات الشّرقيّة بأوروبا والغرب، وضمنها الدّراسات الإسلاميّة. ولقد كان التّشديد على اللّغة بوصفها مفتاحاً للثّقافة والمجتمع والأمّة سمةً تفرّدت بها المدرسة التّاريخانيّة الألمانيّة أكثر من غيرها من مدارس الفكر الأولى. هذا ما يفسّر لماذا انفرد المستشرقون الألمان عن غيرهم من الدّارسين الغربيّين برصانة الدّرس العلميّ لتراث الإسلام، ولماذا ترجموا آثاره القديمة من العربيّة والفارسيّة والتّركيّة إلى الألمانيّة أكثر من غيرهم من ذوي جنسيات أوروبيّة أخرى، وإن لم نَعْدم وجود من جاراهم في إتقان لغات الشّرق والاحتفال بآثارها.

ولقد كان للتّاريخانيّة الألمانيّة تأثيرها الكبير في الفكر الأوروبيّ كما في الاستشراق الأوروبيّ، وتبدّت نتائجه في تنامي الدّراسات الفيلولوجيّة – أو الفِقْهلُغَوِيّة – إجمالاً، وفي مجال الدّراسات الإسلاميّة على نحوٍ خاصّ، لا عند المستشرقين الألمان فحسب، بل حتّى عند مستشرق فرنسيّ مثل إرنست رينان ذَهَب بالدّرس الفيلولوجيّ إلى أبعد ممّا كان يمكن للألمان أنفسهم أن يتصوّروه. وليس صدفةً أن يقترن انتعاش الدّرس الفيلولوجيّ – في القرن التّاسع عشر – مع تنامي الدّراسات المرتبطة بميدان علم اللّغات المقارِن، والذّهاب فيه إلى حدود تصنيف الثّقافات واللّغات على حدود الأعراق وبالتّالي، بناء سُلّم تفاضليّ لتلك اللّغات والثّقافات، بل اصطناع تمييزٍ بين «العقليّات» أو الذّهنيّات (لدى الشّعوب والأمم) على قاعدة ذلك التّراتُب التّفاضليّ في سُلّم اللّغات والثّقافات.

لا يخامرنا شكّ في أنّ تطبيق المنهج الفيلولوجيّ أفادَ الدّراسات الاستشراقيّة، كثيراً، في تبيُّن العالم الدّلاليّ الدّاخليّ للّغة وكيف يتطوّر تاريخيّاً في علاقاته التّفاعليّة بالمعارف التي تَرِد عليه. لكنّ الأهمّ من ذلك أنّ نتائج تطبيقه ظلّت تُطْلِعنا على الصّلات التي تُنْتَسَج بين الثّقافات، ودور اللّغات والمفاهيم فيها، وكيف يغتني اللاّحقُ منها بالسّابق ويُطوِّره. والحقّ أنّ ذلك ما كان في حيّز الإمكان لولا أنّ المستشرقين الدّارسين لتراث الإسلام كانوا يملكون العلم باللّغات المحيطة بلغات الإسلام (السّريانيّة، الحبشيّة، العبريّة،…)، الأمر الذي أتاح لهم معرفة مصادر المفردات وتعقُّبَها في أصولها اللّسانيّة. ولقد وسّع ذلك من أفق معرفتنا لتلك الحركة الهائلة من التّثاقُف التي جرت، عبر التّاريخ، بين تراث الإسلام وتراثات الأديان والأمم المحيطة، وما تُضيئُه معطياتُها من مساحاتٍ معتِمة في التّراث الدّينيّ والثّقافيّ للإسلام.

على أنّه يظلّ للمنهج الفيلولوجيّ من المَعَاطب والمفارقات والنّقائض ما يستحقّ عليه وعلى حُجّيّته طعناً، وخاصّةً حينما يُمْعِن بعضُ مَن يستخدمونه في توظيفه لأغراضٍ إيديولوجيّةٍ صرف لا صلةَ لها بالدّرس العلميّ. بيانُ ذلك أنّ التّحليل الفيلولوجيّ للمادّة المدروسة غالباً ما يقاربها في علاقاتها التّبادليّة بآثار أخرى تُزامنها أو سبقتْها في الزّمن. وهذا الفعلُ المنهجيّ، وإنْ كان طبيعيّاً، ربّما غَلاَ صاحبُهُ غُلُوّاً كبيراً في استخدامه إلى الحدّ الذي يجد فيه نفسه وقد أهْدَر الموضوعَ المدروس رُمَّةً فَرَدَّهُ إلى ما قبله جملةً! هذا، مثلاً، عينُ ما وقع فيه إرنست رينان حين درس الفلسفة العربيّة الإسلاميّة – متوسّلاً هذا المنهج من النّظر- منتهياً إلى أنّها فلسفةٌ يونانيّة مكتوبة بلغةٍ عربيّة! فَعَل ذلك بدعوى أصول الأفكار المعبَّر عنها، ذاهلاً عن حقيقة أنّ الأفكار لا تُدْرك في ذاتها، بل في النّظام – أو النّسق – المعرفيّ الذي توضَع فيه، والحال إنّ النّظامين المعرفيّين اليونانيّ والإسلاميّ مختلفان.

غير أنّ المقاربة الفيلولوجيّة في الاستشراق – وقد وقع فيها حتّى الكبار أيضاً (مثل ثيودور نولدكه، وإغناطيوس غولدتسيهر، ولوي ماسينيون…) – لا تذهل عن البنيات ( بنيات المعرفة) فحسب، بل عن التّاريخ أيضاً؛ ذلك أنّ ردَّ أيِّ معطًى فكريّ إلى أصلٍ سابق لا يعني، في المطاف الأخير، غير تجاهُل التّاريخ والتّطوّر وإبطال مفعولهما، والاعتقاد الموهوم بأنّ «كلّ» فكرة تولَد مكتملة!

[email protected]