الرئيسية / أخر المستجدات / “الحداثة والأخلاق” للفيلسوف الأميركي تشارلز لارمور

“الحداثة والأخلاق” للفيلسوف الأميركي تشارلز لارمور

عفيف عثمان/

يكاد تشارلز لارمور (مواليد 23 آذار/مارس 1950)، الفيلسوف الأميركي وأستاذ العلوم الإنسانية في جامعة براون، يكون مجهولاً في العالم العربي.

اشتهر بكتاباته حول الليبرالية السياسية بوصفه من أشد أنصارها، متبعاً خطوات جون راولز، وبموضوعات مختلفة في الفلسفة الأخلاقية وتاريخ الفلسفة، وبمساهمته في الفلسفة الأخلاقية (الواقعية الأخلاقية، طبيعة الذات) وتاريخ الفلسفة من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين المنصرم (بما في ذلك شخصيات مثل مونتني وديكارت وبايل وكانط وهولدرلين وشوبنهاور ونيتشه وسارتر).

وحظي كتاب “الأخلاق والحداثة” الذي ترجمه المفكر الجزائري الزواوي بغورة، أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة الكويت، بترجمة أخرى أنجزها مايكل مدحت يوسف، وصدرت عن المركز القومي للترجمة (القاهرة، 2022)، وهو الكتاب الأول المنقول إلى اللغة العربية.

ومن مؤلفاته: “أنماط التعقيد الأخلاقي” (1987)، “أخلاق الحداثة” (1993)، “الميراث الرومانسي” (1996)، “ممارسات الذات” (2004)، “نقاش حول الأخلاق بين المثالية والواقعية” (2006) بالاشتراك مع الفيلسوف الفرنسي آلان رينو، “استقلالية الأخلاق” (2008)، “ما الفلسفة السياسية؟” (2020)، “الأخلاق والميتافيزيقا” (2021)، وكتب مقالات وأعدّ دراسات كثيرة منشورة في مجلات أميركية وفرنسية.

الحداثة أفقاً للتفكير الأخلاقي

يقول لارمور: “أنا لا أبحث في هذا الكتاب في الانعكاسات المعرفية من خلال الوقوف عليها ببساطة، ولكن بشكل أساسي لإظهار كيف أن الفلسفة الأخلاقية، في إحدى المشكلات المحورية التي تركز عليها اليوم، يجب أن تتفق مع الحداثة”، إذ إن الحداثة هي الأفق اللازم للتفكير الأخلاقي، وثمة مشكلات أخلاقية أساسية تتصل بها لم تُقدم لها الحلول، ولارمور يفتح باب النقاش واسعاً حولها.

يدافع الباحث في الأساس عن الأطروحة التي تشكل الأخلاق بموجبها حقلاً ذا قيمة غير قابلة للاختزال، إذ لا توجد وجهة نظر خارج الأخلاق يمكن أن يقودنا العقل من خلالها إلى فهم صحيح لطبيعة الحياة الأخلاقية.

لم يتمّ تطوير هذه الأطروحة في مقابل منظور توماس هوبز فحسب، ولكن أيضاً ضد بعض الجوانب المركزية للفكر الكانطي. بدلاً من أخلاق الاستقلالية، فإن استقلالية الأخلاق هي التي يجب تبنيها بالفعل.

ومع ذلك، يتطلب مثل هذا المفهوم أن نتخلى عن واحدة من أعظم الأيديولوجيات الفلسفية في عصرنا، وهي النزعة الطبيعية (أو الطبيعانية (Naturalisme للعالم، وهي تمثل أحد الأحكام المسبقة الكبرى في عصرنا.

أحد استعمالاتها يكمن في نفي إمكانية المعرفة الأخلاقية، فوعد الأخلاق مجرد تفضيلات، وليس معرفة تمتلك حقائق، ويحاجج لارمور بأن المعرفة الأخلاقية ممكنة حقيقة، ويبيّن أن النزعة الطبيعية هي العدو اللدود للعقل.

التصور المعرفي للأخلاق

لقد أدى ظهور الحداثة إلى حرمان الأخلاق من مصادرها التقليدية وتركها في مواجهة انقسام تبدو شروطه غير مقبولة: من ناحية التاريخانية مع ما يصاحبها من النسبية والتشكيك، ومن ناحية أخرى، العقل القطعي (الصارم)، الشامل والخالي من المحتوى الأخلاقي. وبين يقين القدماء ومعضلات الحداثة ومهاوي ما بعد الحداثة، لا يمكن الحكم على الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة بالعجز.

يقتنع لارمور بالفعل بأن التصورات الفلسفية المختلفة التي قادتنا على التوالي إلى مثل هذا المأزق توفر لنا أيضاً وسيلة للخروج منه. هذه القناعة نفسها راسخة في أخلاقيات الفكر التي ينبغي، كما يشرح المؤلف في مقدمة عمله، أن تصرفنا عن الدوغمائية التقليدية والنزعة الأحادية في الفلسفة. في مواجهة هذه الخلفية المتجاوزة للفلسفة، يرغب الكاتب في أن يجعل مشكلات الأخلاق المعاصرة موضوع نقاش مفتوح يدعو إليه الفلاسفة من جميع الاتجاهات والأزمان.

يُدافع الباحث عن تصوّر معرفي للأخلاق، فهي لا تأتي تعبيراً عن اختياراتنا، بل هي شكل من المعرفة يتعامل مع وقائع معيارية يمكننا إدراكها بوساطة التفكير. وبخلاف ما تطرحه الفلسفة القديمة، لا ينحصر مصدر التفكير الأخلاقي بوصول السعي الشخصي إلى تمامه.

والكاتب مع جملة من المعاصرين والحداثيين يُقدّر أن الأخلاق تقتضي أيضاً احترام الواجبات الأخلاقية المُلزمة (القطعية) بعيداً من الخير الذي تجلبه لنا؛ فإذا ما قبل الفكرة الكانطية لأوليّة “العدل على الخير”، إذ إن من مهام العقل العملي الدفاع عن هذه الأولوية، لأنها وحدها تُفسر ما نعرفه عن طبيعة الالتزامات الأخلاقية بوساطة ضميرنا، فإن لارمور ينأى بنفسه بإزاء المنظور الكانطي الذي يحاول البعض من الفلاسفة (وخصوصاً الفرنسيين لوك فيري وآلان رينو) إعادة الاعتبار إليه في مواجهة فلاسفة ما بعد الحداثة.

لا كونيّة الأخلاق

ولا يمكن للأخلاق، بحسب ما يشير لارمور، أن تؤسس على التزامنا بتبرير اقتناعاتنا، ولا تبدو معايير العقلانية كافية لإقامة أخلاق كونية، مع علمنا بإخفاق تجربة التنوير الغربية في إقامة الأخلاق على العقل؛ فقد حاول فكر التنوير البحث عن مصدر المعايير الأخلاقية بعيداً من الدين، فاتجه نحو طبيعة الإنسان، مع خلاف حول كيفية خدمة الطبيعة الإنسانية لمصدر الأخلاق: “فهل تستمد المعايير الأخلاقية وجودها من الطبيعة الإنسانية أم أنها تشكل حقائق مستقلة في الطبيعة الإنسانية من دون اللجوء إلى التفسير الإلهي؟”.

وثمة خلاف أيضاً حول الجانب المقرر في الطبيعة الإنسانية: العقل أم العواطف أم الوجدان؟ وهي تختلف باختلاف الشخص، ما يُفيد بأنها لا تصلح قاعدة لأخلاق كونية. والعقلانية نفسها تشكل قاعدة ضيّقة لتسويغ صلاحية أي واجب أخلاقي، وبالتالي، لا يمكن العقل العملي أن يكون مصدر الأخلاق.

ويعتقد لارمور أنه ليس في وسع العقل “أن يقوم بوظيفة تأسيس الأخلاق التي أُعفي الإله منها”. وقد توحي أزمة الأخلاق الإنسانية بأن الحل الأمثل في العودة إلى المنظور الديني، الأمر الذي لا يقرّه لارمور، مع إدراكه أن الإنسان “كائن العوز والنقص”، وصفاته العقلية الوجدانية مشروطة تاريخياً، ولا يمكنه ممارسة دوره “إلا ضمن مجموعة من الاعتقادات القائمة”.

التقاليد الأخلاقية

ليس في نيّة الكاتب التخلي عن الأخلاق المُلزمة (أخلاق الواجب) العزيزة على قلوب المحدثين؛ فالمصادر التشريعية لأخلاق الواجب الكونية لا يمكن أن نجدها في الدين أو في العقل، بل “في أشكال الحياة؛ في التقاليد الأخلاقية”، إلى العقلانية التي تشجعها وتديمها.

ويعتبر أن شكل حياتنا الاجتماعية، كما نعرفه، “يُجسد أخلاق الواجب القطعية هذه”، التي تمنح سلطة معيارية لأحكامنا الأخلاقية. وليس من مهام العقل العملي تبرير ممارساتنا، بل مساعدتنا على حل مشكلاتنا “من داخل التقاليد الأخلاقية الموروثة”. والكاتب يرفض التيار الأحادي الذي يُقر بكفاية منظور أخلاقي واحد، ويحضنا على التفكير في خليط من الأخلاق.

يرى لارمور أننا نخضع لثلاثة مبادئ أخلاقية: مبدأ الانحياز، ومبدأ العاقبة، ومبدأ الواجب. وقد تفرض علينا هذه المبادئ في بعض المواقف واجبات متناقضة، ما يؤدي إلى الوقوع في صراعات بين مختلف المتطلبات العملية. وهنا تأتي مهمة الدين (أو اللاهوت) ليبرهن، وبناء على العناية الإلهية، على أن مثل هذه النزاعات الأخلاقية ليس في حقيقته مأساوية، كما يبدو.

ويطبع خليط الأخلاق أيضاً أنماط التفكير في الفلسفة السياسية، فهي ستبني نفسها بطريقة مستقلة عن المنظورات الأخلاقية المتمحورة حول السلوكيات الفردية، ما يتيح لنا أن نفهم تبني لارمور فلسفة سياسية ليبرالية تستند إلى مبدأ “حياد الدولة” بإزاء التطورات المختلفة للحياة الخيّرة التي استخلصها المواطنون، وهو يريد كذلك تقديم تبرير أخلاقي يكون محايداً بدوره.