الرئيسية / أخر المستجدات / العرب في مسيرات التغيير

العرب في مسيرات التغيير

د نسيم الخوري/

يكاد الحراك في لبنان بفتح الحاء لا بكسرها كما درجت العادة على التلفظ الخاطئ بها لغوياً يكسر كثيراً من الأشياء ويخلطها إلى حدود زوال الفروق بين مجتمعات «البيت» بمعنى المنزل، ومجتمعات «البايت» بمعنى قوة الكومبيوتر الأسطوري عبر طاقات الصفر والواحد في منظومات الترقيم الثنائي في العصر الحالي.

“البايت” مفتاح الثورة اللامتناهية في قياس المعلومات وتمثيلها، ورسمها ومعالجتها وتطبيقها ونقلها بواسطة ال«كودات»؛ أي الرموز إلى حقائق وألعاب وتطبيقات وجمل طفحت بها أزمنة الناس في المنازل والقصور، والأعمال والشوارع والساحات والتظاهرات، وكأن اللبناني قد أصيب بلوثة التواصل الثوري باسطاً شاشاته المفتتة واجتماعياته المتناقضة ومظاهره المتباعدة، ومشاغله المتوحدة في تبادل الكلام في التغيير الدردشي.

للثورة إذن، هوية الثقافة السائدة في سيول من التعابير والنصوص والصور والفيديوهات والمتراكمات الناقدة النافرة فوق كل حد، أو التبجيلية المضمخة بالخوف المضمر من الاضطهاد والسجن والموت والخراب.

لم يسترسل التعبير في ثورات «الربيع العربي» بحريته إلا في الخفاء والخفر؛ لأن الكلمة بقيت ماثلة مقصلة أحياناً كثيرة تنتظر الخارج والدم. تتحرر الكلمة من خارج بعيد وباللغات كلها وخصوصاً الأجنبية، مع الإشارة إلى أن الذين انتقدوا حكامهم وأنظمتهم ومجتمعاتهم حتى من بعيد عبر ما تتيحه الحرية في عصر الفضاء كانوا يحلمون بالسلطة الجديدة عبر الإيهام وطمس أسمائهم ولربما كانوا يوصدون أبوابهم خوفاً من ملاحقتهم واغتيالهم حتى ولو كانوا في أقاصي الأرض.

اللغة السائدة بشكل عام، بالمعنى الرسمي العربي، مهادنة ملتبسة غامضة وعصية على الفهم السهل، لا جديد فيها، متعثرة ولا تصل إلى أنها تنسج أثواباً خطابية لا تقول جديداً في تغطية واقع متوتر وخطر ومهترئ تتشابه فيه المجتمعات. هناك، على الدوام، أمراض تصيب جسد الكلام العربي الذي يدور في أنساق لا يفهمها الغريب ولا تفهمها شعوب العرب؛ كونها ليست شعبية وتخلط ثقافة التقدم والتطور بثقافة التقليد بما يصب قطعاً في تبريرات مصطنعة وبنكوص إلى الثقافات المعتادة.

تبدو الألفاظ إذن مثل الآلة المستوردة عارية من تاريخها وأبعادها وتجاربها التي ولدت من أرحامها؛ أي أنها مقطوعة عن ثقافة الغير. ألفاظ خاضعة لقوانين الاستيراد وشروح مترجمة تفرغ من جوهرها وتبقى لعبة مزركشة جميلة. يمكن للقائل التلفظ الخاطئ بها لكنه لن يفهمها ويستعملها بيسر. تستعمل الكلمات الثورية أحياناً في لبنان وكأنها الأزياء رمزاً للعصرية والفصاحة الفرنسية مثلاً، بينما يصبح التعبير حقيقة عند لبس الأقنعة الذي يقود إلى الرقص التعبيري وانتفاضات الجسد. تبدو العربية لغة مرذولة نوعاً ما. لماذا؟ لاعتبارها إحدى اللغات النادرة الإلهية، بعدما اندثرت قبلها لغة الإغريق التي كتب فيها سقراط متجرعاً السم وأرسطو وإفلاطون وكأنهم كانوا ينتظرون وضع النقطة الختامية للفكر الفلسفي. نعم. ماتت لغة الإغريق وما عاد يفهمها اليوناني المعاصر، وألغيت رسمياً بمرسوم جمهوري.

أليست اللغة العربية الوحيدة التي تستعمل مصطلح التعريب لا الترجمة عندما يتم نقل نص أجنبي شرقي أو غربي إلى حظائرها العربية؟

ومع ذلك، العربية باقية على الرغم من الثائرات بالفرنسية أو الإنجليزية. لا يجوز لها سوى هضم اللغات كلها وتعريبها لتكتسب العربية هوية جديدة تحل مكان هوية الكاتب الأصلي الغريب. تتقدم الأسماء الأفعال في اللغات الأجنبية فتحميها، بينما تنزلق الأفعال أمام الأسماء في اللغة العربية ويعتورها الخجل والضياع.

نقع هنا في إمكانيات التحول والتطوير والتجديد وتحدياته من داخل لا من القشور اللفظية التي تتجاوز البريق الذي تحمله الأشكال التحديثية للمجتمعات العربية. تطاول هذه الإمكانيات شرائح متوفرة ومتنامية في العالم العربي لكنها تبقى أسيرة الفكر الديني، وهذا أمر ليس مستغرباً؛ كوننا لا نجد حضوراً مقبولاً أو تمثيلاً ثابتاً للفكر العربي خارج دائرة العلاقات الثابتة مع المقدس المحترم.

إن مجمل «الثورات» التي شهدها العرب بقديمها وحديثها وصولاً إلى «الربيع العربي» اللبناني لم تصل أو تقدم التحول اليسير، أو تطاول الجوهر المقدس أو تتجاوز حك قشرته الخارجية. هناك اختلاط ألسنة وأفكار وجذور متنوعة هائلة تدمج العقائد والأيديولوجيا والدين والسياسة لتصبح الثورات أنماطاً من المهن المعاصرة الملونة التي تجذب الناس.

لماذا؟ لأن المقدس يتكفل دائماً بقوانين التكيف الطارئة أو المستجدة التي تقتضي التوفيق والقبول الدائمين بين المفاهيم التاريخية الحديثة والرؤى الدينية التي تتجاوز المفاهيم الجديدة في الزمان مهما جاءت حمولاته الفكرية الجديدة تبشر بالتغيير.

اترك تعليقاً