الرئيسية / أخر المستجدات / العلاقات الدولية والفوضى

العلاقات الدولية والفوضى

د عبد الإله بلقزيز/

على الرّغم من أنّ العالم محكومٌ – نظريّاً على الأقلّ – بمنظومة هائلة من القوانين والمعاهدات والاتّفاقات التي تنظِّم منازعات دُوَله وأُممه وتُخْضعها لقواعد السِّلم والتّعايش والتّعاون، إلاّ أنّ هذه المنظومة التي تراكمت تشريعاتها مع الزّمن (منذ معاهدة ويستفاليا، في 1648، على الأقلّ، حتّى اليوم مروراً بفرض القانون الدّوليّ بعد الحرب العالميّة الثّانيّة) ظلّت تصطدم، على الدّوام، بانتهاكاتٍ وخروقٍ من هنا ومن هناك على نحوٍ استمرّ يوحي بأنّ منطق العلاقات الدّوليّة نَزَّاعٌ، بطبيعته، إلى اللاّنظام أو لعلّه يكون نَزَّاعاً إلى النّظام الوحيد الذي يلائمه: نظام الفوضى!

كأنّ هذه القوانين والمعاهدات وُضِعَت لكي تُخْرَق لا لكي تُحْتَرم! كأنّها محض هدنةٍ مؤقّتة بين جولتيْن من حربٍ تشبه – أو تكاد – وقفاً لإطلاق النّار لا يلبث أن يتجدّد لأتْفه سبب! هكذا تعيش العلاقات الدّوليّة حالةً من التّجاذب بين النّظام واللاّنظام، الاستقرار والفوضى، الالتزامات والانتهاكات، شأنها شأن أي علاقات أخرى قد تنشأ بين فرديْن أو بين مجموعتين اجتماعيّتين، كأنّ ما يُبرمه الشّركاء في تلك العلاقات من العهود والاتّفاقات ليس يكفي لاستقامة أحوال علاقاتهم أو لفرض الانضباط عليها.

لو أخذنا حقبةً قصيرةً من تاريخ العلاقات الدّوليّة، مثل الحقبة الفاصلة بين نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة والفترة الحالية – وهي تغطي نيّفاً وثلاثة أرباع قرن -، لألفيْنا أنّها شهدت من عوامل الفوضى وعدم الاستقرار، ومن الحروب الكبرى، والنّزاعات المسلّحة الصّغرى، والحصارات والعقوبات الاقتصاديّة، والحروب الاقتصاديّة والتّجاريّة، والصّراعات على النّفوذ، وانتهاك الأمن والسّلم، والتّدخّلات في الشّؤون الدّاخليّة للدّوّل، واستباحة سيادات الدّوّل الصّغرى، والاحتلال، والعنصريّة، والإرهاب.. ما لم تشهده، في ما مضى، أحقابٌ امتدّت زمنيّاً لمدى قرون! والأنكى من ذلك أنّ هذا الذي جرى في العقود الثّمانيّة الأخيرة، جرى في زمنٍ تَكَرَّس فيه قانونٌ دوليّ مُلْزِم – أو هكذا يُفْتَرَض – وانْضوت فيه دولُ العالم في منظّمةٍ دوليّةٍ واحدة، حتّى بات مألوفاً فيه أن يقع الحديث عن «مجتمعٍ دوّليّ» واحد محكومٍ بشِرْعةٍ واحدة.

ما الذي يفسّر كلّ هذا المنحى العامّ نحو الفوضى والنّزاع وعدم الاستقرار في ميدان العلاقات الدّوليّة على الرّغم من وجود – ومن سلطان – هذه التّرسانة الهائلة من القوانين الدّوليّة؟

أوّل ما يفسِّره المصالح؛ فهذه ليست واحدة ولا قائمة على التّوافق والتّكافؤ والتّوازن؛ بل هي متضاربة ومتناقضة؛ بحيث يلغي بعضُها البعضَ الآخر؛ كما أنّها قائمة على علاقات القوّة، فيدور ثقْلها – أو وزنُها – مع دورة القوّة ومدى ما يسعها أن تبْلُغَه. لذلك تبدو المصالح غيرُ متكافئة، من جهة، ودافعة إلى الصّراع عليها.

وثاني ما يفسّره أنّ الفوضى قد تكون مطلوبة في العالم من قِبَل قوًى دوليّة نافذة فيه، حتّى تكون ذريعةً لسلطتها الضّاربة وهيمنتها على القرار الدّوليّ ومؤسّساته؛ أي هي مطلوبة إلى الحدّ الذي تسوِّغ به تلك القوى الكبرى تدخّلاتها لِ «تنظيم» أو «إدارة» أمور العالم ونزاعاته من طريق فضِّها بالحلول السّلميّة أو بالتّسويّات السّياسيّة التي ترعاها.

سيكون من الطّوبى والمثّاليّة أن ننتظر عالماً خالياً من أسباب الفوضى والنّزاع وعدم الاستقرار والحال إنّ المصالح فيه هي التي عليها مبْنى سياساته، وهذه متناقضة وبالتّالي، تتولّد منها سياسات متناقضة هي البيئة المناسبة للصّراعات. مع ذلك، يسع البشريّة – بقليلٍ من تحكيم مبادئ العقل والحقّ والعدالة – أن تصنع نظاماً للعالم أكثر توازناً واستقراراً.

[email protected]