الرئيسية / أخر المستجدات / الكوني في القيم

الكوني في القيم

د عبد الإله بلقزيز/

ربّما كانت كونيّة القيم اسماً اصطلاحيّاً لقيمٍ محليّة متعدّدة ينتظمها قدر ما من التّناظر والقرابة على النّحو الذي معه تَقْبَل ينابيعُها (المجتمعات) أن تتداولها بما هي مشتركة. على أنّه من البيّن أنّ الدّفاع عن مفهومٍ للكونيّة بهذا المعنى ليس ميسوراً بإطلاق، إنْ أخذنا في الاعتبار ما يواجهه من اعتراضٍ من قِبل النّاظرين إلى الكونيّة بوصفها محْواً لِمَا هو خاص ومحلي في القيم. إنّه، بالأحرى، دفاع شاق عن مفهوم للكونيّةِ غيرِ مألوفٍ في البيئات الغربيّة المركزيّة (ذات الأثر الواسع في البيئات الجنوبيّة… ومنها العربيّة)؛ لكنّه ليس دفاعاً مستحيلاً بالنّظر إلى اتّساع نطاق مَن يأخذون به خارج الغرب من المفكّرين والأدباء والفنّانين، كما بالنّظر إلى الافتضاح المتزايد لمكنون تلك الكونيّة بوصفها اسماً حركيّاً مستعاراً للهيمنة!

ليس كل ما هو محلّي كونيّاً، لأنّ مرجعَه، في الغالب من قيمه، إلى المجتمع بما هو محصَّلة مواريث وموارد محليّة، وفي هذا الخزين من الموارد، بالذّات، تختلف المجتمعات لاختلاف مسارها التّاريخيّ والأنثروپولوجيّ والثّقافيّ (والدّينيّ واللّغويّ…إلخ)، فيحتفظ كلٌّ منها بخصوصيّته. لكنّها، على الاختلاف القائم بينها، قد تتفاعل وتتبادل القيم الرّمزيّة مثلما تتبادل القيم الماديّة. أمّا درجة التّفاعُل والتّبادل، فتختلف وتتفاوت من نوعٍ من القيم لنوعٍ آخر. حين يتعلّق الأمر بالقيم الأخلاقيّة والسّلوكيّة، مثلاً، تكون درجات التّفاعل والتّبادل في أدنى مستوياتها، وذلك لعُسْر انتقال القيم الأخلاقيّة بين جماعات متباينة المصادر، لكنّها (درجات) تعلو كلّما تعلّق الأمر بقيمٍ ثقافيّة وجماليّة، حتّى وإن تباينت مصادر الثّقافات.

معنى هذا أنّ المحلّيَّ ليس مقْفلاً على ذاته وعلى أحيازه الاجتماعيّة بحيث لا يَبْرحُها، وإلا ما كان بين النّاس في العالم، اليوم وأمس وغداً، مشتَرَكٌ إنسانيّ؛ وآيُ ذلك أنّ مثل هذا التّبادل في القيم الرّمزيّة يقع حتّى بين المجتمعات التي شَجَرَتْ بينها خلافاتٌ وانعقدتْ عداوات وانفجرت حروب وصراعات: قد يتوقّف بينها تبادُلُ المادي من القيم، لكنّ الرّمزيَّ منها يستمرّ تبادلاً وتداوُلاً. وذلك ما كان في أساس القول الخلدونيّ إنّ المغلوب مولَعٌ باقتداء الغالب. في المقابل، ما من كونيٍّ ليس محليّاً أو ليس تكوينُه من موادّ محلّيّة. الكوني، في هذا المفهوم، هو ذلك المشتَرَك بين محلّيّات؛ ذلك الذي يتجسّد في بُعْدٍ عابرٍ لتلك المحلّيّات جامعٍ بينها في مشتَرَكٍ جديد هو المشتَرَك الإنسانيّ الذي يُجاوِز حدود المجتمعات والأوطان والأمم والثّقافات واللّغات والدّيانات…إلخ، ولكنّه يعبّر عنها في الآنِ عينِه. حين نقول إنّ الكونيّة في القيم هي المشترَك الإنسانيّ العابر للمجتمعات، يتأدَّانا القولُ ذاك إلى التّسليم بأنّ تلك الكونيّة من إرادةِ مجموعٍ متبايِنٍ (من المجتمعات) فيها. إنّها تولد من إرادةٍ ومن اختيارٍ طوعيٍّ حرّ، وقد تولَد من «انتخابٍ طبيعيّ» ينتقي من القيم أَشْرَكَها بين المجتمعات. في كلّ حالٍ، ليس من كونيٍّ إلا ما اختارتِ المجتمعاتُ أن تنتحله لنفسها فَتَخْلَع عليه مسحةَ الكونيّ، أمّا المفروض عليها بالقوّة فليس من الكونيّ في شيء. قلنا إنّه ما من حظٍّ للمفروض بالقوّةِ في أن يكون كونيّاً وذلك، بِكلّ بساطة، لأنّه محلّيٌّ نَزَع إلى الفيض على العالم متوسّلاً وسائل القوّة والضّغط والابتزاز التي تبدأ بالسّلاح والحصار الاقتصاديّ من غير أن تنتهي بالتّلاعب بالقانون الدّوليّ وتسخيره! ما أكثر القيم التي رفعتْها دولٌ في الغرب معلِنةً أنّها «كونيّة» في حين لم يستقبلها السّواد الأعظم من المجتمعات بوصفها كذلك، فكان أن مالت دول الغرب إلى فرضها بوسائل القَسْر: بالحروب، والقروض، والعقوبات، والتّشريعات الدّوليّة… إلخ. وما أكثر القيم التي شرعت في التّبشير بها اليوم وعدِّها «كونيّة» فيما يرفضها السّواد الأعظم من البشريّة ويستهجنها؛ لأنّها مخالِفة للطّبيعة البشريّة؛ وهي التي تتهيّأ الدّول الغربيّة المدافعة عنها لفرضها على العالم بالعصا!