الرئيسية / أخر المستجدات / المشهد العربي الراهن، قراءة مفاهيمية

المشهد العربي الراهن، قراءة مفاهيمية

د. موفّق محادين/

لعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ جانبًا مهمًّا من جوانب الأزمات التي نعيشها، ومن مواقفنا المختلفة في مقارباتها، يعود لإشكالية المفاهيم السياسيّة والنظريّة ودلالاتها اللغويّة الملتبسة، وعلى عكس ما هو شائعٌ ودارج، فما من مفهومٍ ينطوي على الدلالة نفسها عند القوى والتيّارات المختلفة، ولا يجوز لموقعٍ أو منبرٍ إعلاميّ (قناة أو صحيفة أو مجلّة إلكترونيّة أو ورقيّة) أن تحتكر قراءاتها لهذا المفهوم وتسوقه كما لو أنّه تعريفٌ قاطعٌ مانع. ومن ذلك، ما من تعريفٍ واحدٍ موحّدٍ لمفاهيم مثل الثورة، الحريّة، الديمقراطيّة، الليبراليّة، المواطنة، الدولة، الشعب، الهُويّة، المنطق.. إلخ، بل إنّ مفهوم المفهوم (CONCEPT) نفسه مفهومٌ إشكاليٌّ ومن الصعب التوافق النظري عليه وحوله.

ويحدّد المفهوم، أي مفهوم بدلالاتٍ ومقارباتٍ مختلفةٍ ومتفاوتةٍ، سواءً من الناحية اللغوية (المعنى أم المبنى) أو من الناحية المنطقية: المنطق الأرسطي، القديم، الجديد والمنطق الوضعي القديم، الجديد ومنطق أهل الرأي والكلام وأهل الحديث، والمنطق الجدلي في المجتمع وفي الطبيعة)، أو من الناحية النظريّة عمومًا (الذات أم الموضوع، المجرد أم الشخص)، أو من الناحية المعرفيّة (ما قبل العلم الحديث وما بعده، وما يتّصل بذلك في حقول التجربة، الحدوس..)، أو من الناحية التاريخيّة (تطوّر المفهوم من السببيّة البدائية لوحدة الوجود إلى التجريد الديني والتجريد العقلي والعلمي)، أو من ناحية موقع المفهوم في التيارات الحديثة (الشكلانية، الألسنية، البنيوية، السيكولوجية والسسيولوجية، التفكيكية والماركسية …الخ)؛ وثمة ما يجمع أكثر من تيّارٍ لا يرى في المفهوم ما يحتويه العقل أو صورته الذهنية فقط، بل أيضًا في سياقاتٍ تكوينيّةٍ وقواعد استخدامه.

ومن أبرز القواعد الحاكمة للمفهوم هي إعادة إنتاجه في كلّ مرّةٍ وفق السياقات والظروف المحدّدة، ووفق الوزن النسبي له في ضوء عوامل مختلفة، موضوعية وذاتية، ووفق القواعد النظرية لمقارباته، وخاصة فيما يتعلق بالتناقضات والأولويات ومحدداتها في كلّ مرّة، وكل لحظة سياسية.

المفاهيم والحالة العربية:

ابتداءً من السياق العام للمفاهيم في الحالة العربية فهو سياق الفوضى الهدامة (غير الفوضى عند بعض الثوريين العدميين المناهضين.. الدولة، أية دولة، والمراكز، أي مركز). وترتبط الفوضى الهدامة بالمراجعات الاستراتيجيّة الأمريكية الناجمة عن أزمة النظام الرأسمالي عمومًا (التركيب العضوي لرأس المال، وقانون فائض القيمة والأرباح)، وعن تجليّات هذه الأزمة في التحوّلات الاقتصاديّة السياسيّة للحقبة الرأسماليّة.

من حقبة الرأسماليّة الصناعية وتجاوز العلم للعقلانية والعلمانية في الشمال، ومن الدولة الشمولية شرقًا، ودولة الحرس البيروقراطي، والدولة العميقة عربيًّا، ودولة الكيان الصهيوني (دولة الكيبوتزات) إلى حقبة الإمبراطوريات المالية وأزماتها (الهمجيّة العليا) شمالًا والانبعاثات الإمبراطوريّة بخليطٍ قومي – ديني (روسيا والصين، إيران – تركيا ) شرقًا، ودولة الكانتونات والميليشيات الطائفيّة عربيًّا، ويهودية الدولة في الكيان الصهيوني؛ هذا هو السياق العام للمفاهيم وتناولها في حالتنا الراهنة، مضافًا إلى ذلك الظواهر الخاصة كما عبرت عنها قراءات محمد عابد الجابري، ومالك بن نبي، ومهدي عامل، وبرنارد لويس أيضًا.

فقد أظهرت هذه المقاربات أنّ العرب الذين لم ينجزوا ثورتهم، ومن ثَمَّ وحدتهم ودولتهم القوميّة الديمقراطيّة لا عن الطريق الرأسمالي، كما أوروبا الغربية ولا عن الطريق الاشتراكيّة كما روسيا والصين وفيتنام، لم ينجزوا مجتمعًا مدنيًّا ولا دولةً ولا مواطنةً ونخبًا معاصرةً باعتبارها مفاهيمَ قوميّة، فالمجتمعُ مفهومٌ قومي، وكذلك المواطنة وكذلك الدولة، وما عداها مجاميع لا مجتمعات، ومن ثَمَّ فإنّ قابليتها للاستعمار وللتفكك وللعودة إلى الهويات الطائفية والجهوية قابلية كبيرة…ولذلك؛ فإنّ تراجع اليساريين والقوميين التنويريين لصالح أشكالٍ من الرجعيّة والتكفيريين والشوفينيات الطائفية تراجع مفهوم وغير مفاجئ أو مستهجن، وكان من السهل أن تنجح آليات التفكيك وأدواته المختلفة ضد بقايا الدولة الشموليّة والعميقة ونواظمها المركزية: (الطبقة الوسطى، والجيش والهويات شبه الجامعة، الوطنية والقومية). وقد تولى القاتل الاقتصادي، البنك الدولي، حسب بيركنز، مهمة تصفيّة الطبقة الوسطى، وتولى القاتل التكفيري مهمة استنزاف الجيوش، فيما تولى القاتل الأيديولوجي بشقيه (البرتقالي والإسلام الناعم) إدارة الحرب على جبهة المفاهيم، وهو ما سبق أن أشارت له الباحثة البريطانية فرنسيس ساندرز في كتابها (من يدفع للزمار).

ولا بدّ من التنبيه هنا بأن الاستخدام الإشكالي للمفاهيم لا يقع دائمًا من هذه الزاوية المبرمجة، بل إنّ النزعة العامة السائدة لهذا الاستخدام هي أقربُ ما تكون إلى عدم التمعّن في دلالات المفاهيم، كما إلى النزعة الأخلاقيّة والتعميميّة الكامنة في الأشكال المختلفة للمنطق السائد، سواء كان شكليًّا وصوريًّا أو سلفيًّا. ومن أبرز المفاهيم التي تعبّر عن ذلك، مفاهيم مثل: الثورة، الحريّة، الكتلة التاريخيّة، الشعب – المجتمع والمجتمع المدني، المواطنة، الديمقراطيّة، الليبراليّة، الهُويّة الجامعة والفرعيّة، النسويّة، التناقضات، السياسة، الأيديولوجيا، الإيمان الديني والطائفية …الخ).

ولا تقتصر إشكاليات المفاهيم على سياقاتها، وحسب، بل وعلى أدوات مقارباتها، ويلاحظ هنا أن حرب المفاهيم تأخذ عدة أشكال، منها: القياس أو المقايسة الصورية، الإزاحة، التعميمية، التقنيع، التعميم، الخلط، ومن ذلك:

  1. يظهر الخلط والإزاحة في مقاربة التناقضات، فيصبح الرئيس ثانويًّا والثانوي رئيسًا، ويدمج تشخيص الظاهرة السياسية في التعاطي معها.. وهكذا.
  2. ولعلَّ القياس أو المقايسة الصوريّة هي أخطر الأشكال المذكورة..

ولو أخذنا مجموعةً من المفاهيم ضمن الحرب المذكورة لوجدنا أنفسنا أمام الملاحظات التالية:

  1. الربيع، مفردة سيئة السمعة ظهرت عام 1968 في حدثين أدارتهما المخابرات الأمريكية، الأول ضد موسكو الاشتراكية، والثاني ضد باريس الرأسماليّة الديغوليّة. وكان (الشباب) في الحدثين العنصر الرئيسي، ما سمي بـ بربيع براغ بقيادة مثقّف شاب مسرحي (هافل) وما عرف بالثورة الطلابيّة الفرنسيّة التي أسقطت ديغول بعد أن دعا إلى تغيير النظام النقدي العالمي وموقع الدولار الأمريكي فيها.
  2. مفهوم الثورة، وقد جرى خلط هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى مثل الانتفاضة، الحراك، العصيان، الاحتجاج، التمرد، الانقلاب..الخ، ولكلّ منها سياقاته وظروفه، أما الثورة؛ فمفهوم حقبي (من حقبة تاريخية) وليس مفردةً سياسيّةً عابرة، فنتحدث مثلًا عن الثورة الصناعية والثورة العلميّة والثورة البرجوازية والثورة الاشتراكيّة، وأحيانًا ثورات دستورية داخل الحقبة نفسها، وفيما يخص عصرنا وشعوب الشرق والعالم الثالث نتحدث عن ثورات للتحرر الوطني والقومي وضمن شروطٍ معروفة: البرنامج الثوري، الإدارة الثورية، القوى الثورية، التحالفات الثورية التي لا تحتمل أبدًا الأمريكان والرجعية بكل أشكالها.
  3. من أشكال الخلط المبرمجة، الخلط بين الديموقراطية والليبرالية، رغم أن الأولى شكل من الحكم السياسي وتداول السلطة المستند إلى الشرعيّة الشعبيّة (حكم الشعب) فيما الثانية، الليبرالية، ظاهرة أيديولوجية تربط بين الحريات السياسية وحرية الأسواق.
  4. الشعب والمجتمع والمواطنة والهوية الوطنية والقومية، ظواهر ومفاهيم قومية بالضرورة، فبدون تحقق الثورة القومية، البرجوازية أو الاشتراكية أو الديموقراطية، من الصعب تجسيد المفاهيم السابقة مفاهيمَ مناقضةً للمجاميع ما قبل الرأسمالية أو الكتل البشرية التي لم تتحوّل بعدُ إلى مجتمعاتٍ مدنيّةٍ في ظلّ تحوّلاتٍ نوعيّةٍ في علاقات الإنتاج والعلاقات الاجتماعيّة المرتبطة بها.

ويلاحظ فيما يخصّ مفهوم المواطنة أنّ هذا المفهوم لم يخلُ في جذوره الإغريقيّة من سمعةٍ سيئةٍ حين كان يُستثنى منه النساء والعمال والغرباء.

  1. النسويّة والنسائيّة، وهما مفهومان مختلفان، فالأوّلُ جزءٌ من قاموس سيداو الذي يمكن تصنيفه مشروعًا برجوازيًّا لتحرير المرأة (المساواة في الحقوق السياسية والمواطنة والميراث) والثاني جزءٌ من قاموس التحرر الاشتراكي الذي يربط تحرير المرأة بتحرير المجتمع كله من النظام الرأسمالي.
  2. الإيمان الديني والطائفية، وهما مختلفان كل الاختلاف؛ فالأول وعي نابع من الرسالات الإيمانية التي عرفها البشر قبل الرأسمالية بقرونٍ مديدة، أما الطائفيّة؛ فظاهرةٌ مرتبطةٌ بالحقبة الرأسمالية وأنماط الإنتاج الكولونيالية المرتبطة بها وبالأدوات السياسية التي تعبر عنها كما لاحظ المفكر مهدي عامل.
  3. أما أبرز المقايسات الصورية التي انتشرت منذ اندلاع ما سمي بالربيع العربي وجرى استخدامها لتسويغ هذا الربيع، فقد استندت إلى التجربة الأوروبية في الحالات الثلاث التالية:

أ‌-      أفكار جون لوك حول الحرية.

ب‌-    أفكار غرامشي حول الكتلة التاريخية.

ج- ثورات 1848 ودمويتها.

أ‌. أفكار جون لوك حول الحرية، مما لا شك فيه أن هذا المفكر الإنجليزي الذي عاش في القرن السابع عشر (1632-1714) كان من أعظم المفكرين التقدميين في زمانه، وعندما ربط الحريات السياسية بحريات الأسواق كانت الرأسمالية ظاهرةً تقدميّةً قياسًا بالإقطاع، ولا يجوز اليوم استدعاء لوك كما يفعل نشطاء (الربيع العربي)؛ لأنّ الرأسماليّة لم تعد ظاهرةً تقدميّةً، بل ظاهرةٌ استعماريّةٌ تستدعي مواجهتها، وفكّ العلاقة بين الحريّات السياسيّة وحريّات الأسواق، وربط الأولى بالتحرّر الوطني والقومي.

ب‌. الكتلة التاريخيّة، أيضًا، عندما تحدّث غرامشي عن الكتلة التاريخيّة وتابعه آخرون في مفهوم الجبهة الوطنيّة؛ فكان غرامشي يتحدّث عن كتلةٍ اجتماعيّةٍ محددة الملامح تضم أطيافًا واسعةً من العمال والفلاحين والمثقفين العضويين والبرجوازية الوطنيّة، ولم يخطر بباله أية تصنيفاتٍ سياسيّةٍ من النمط الرجعي والشوفينيّة الدينيّة أو القوميّة.

ج- القياس على ثورات 1848 في أوروبا وما ولدته من مناخاتٍ دمويّةٍ استغرقت سنواتٍ طويلة، وذلك في تبرير مشايعي (الربيع العربي) للفوضى الدموية التي ارتبطت بها، وهو قياسٌ صوريٌّ شكليٌّ مثقلٌ بالمغالطات كما المنطق الصوري نفسه، فثورات 1848 في أوروبا، ثورات حقبة برجوازية وقوى اجتماعية صاعدة وعلاقات إنتاج رأسمالية متطورة؛ متسلّحة بخطاب علماني وانقسامات مركبة، من جهة برجوازية تصارع البرجوازيات الأخرى على الأسواق، ومن جهة ثانية، قوى عمالية تصارع البرجوازية في بلدانها..

وبالمقابل، فإنّ الكتلة الأكبر مما يسمى قوى الربيع العربي، لم تعبر عن القوى الاجتماعية الصاعدة، بل عن أكثر القوى تخلّفًا التي نجمت عن تفسّخ دولة الحرس البيروقراطي ال قطر ية القديمة ولم يهدر الدم في الشوارع العربية، لا من أجل ثورات برجوازية تنافس على أسواق العالم وصدارته، ولا من أجل دولة مدنية ديموقراطيّة، بل في سياق موجةٍ ظلاميّةٍ رجعيّةٍ أعادتنا إلى الخلف قرونًا طويلة، وبددت كلّ ما أنجزه العرب من بنى تحتية وشروط موضوعية كان من شأنها أن تؤسّس لثوراتٍ تقدميّةٍ حقيقيّة.