الرئيسية / أخر المستجدات / المغرب وفرنسا .. معركة السيادة

المغرب وفرنسا .. معركة السيادة

 عبد الهادي مزراري/
يناقش الرأي العام المغربي هذه الأيام موضوع العلاقات المغربية الفرنسية، فيما تطرح الأسئلة حول مستقبل تلك العلاقات في ظل التحولات، التي تجري منذ أكثر من عامين دون توقف.
يبدأ العد التاريخي لهذه التطورات اعتبارا من نهاية عام 2020، ذلك بسبب الانقلاب الذي أحدثه المغرب في التعاطي مع ملف الصحراء المغربية، وتحديدا من نونبر 2020 إثر طرد مليشيات البوليساريو من معبر الكركرات. ثم الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء في دجنبر 2020.
اعتبارا من هذا التاريخ انطلق المغرب في إرساء قواعد سياسته الخارجية الجديدة التي تقوم على قاعدة “مغرب اليوم ليس كمغرب الأمس”.
كانت أول الأطراف الأوروبية، التي أعلنت اعتراضها على القرار الأمريكي بالاعتراف بمغربية الصحراء، إسبانيا ثم ألمانيا، فيما لزمت فرنسا الصمت، وهو صمت ليس بريئا، قياسا بما تقوم به باريس في الخفاء وتعلن عن نقيضه في الظاهر.
من جانبه، كان المفرب نصب طاولة لي الذراع، وبدأ المسابقة مع ألمانيا ثم بعدها إسبانيا. وكانت النتائج لصالحه، حيث أقرت كل من برلين ومدريد بالوحدة الترابية للمغرب.
إثر ذلك، بدأت الأصابع تشير إلى باريس، التي تفضل لعبة الصمت، والاختباء خلف المسار الأممي. فيما جاءت الرسالة واضحة من الرباط في الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت الماضي، وهي مناسبة تحمل مع فرنسا الكثير من الدلائل، وكان كلام جلالة الملك محمد السادس واضحا باعتماد المغرب منظار الصحراء المغربية لتحديد مسار علاقات المغرب مع دول العالم.
تلقى الساسة في باريس الرسالة المغربية دون الحاجة لتشفيرها، فهم كانوا واثقين من “ان الكلام موجه إليك أيتها الجارة”. وعلى عادتها تتقن الأسلوب الملتوي في الرد على الخطاب الموجه إليها. لجأت فرنسا إلى محاولة فرملة المغرب باعتماد ضربة البلياردو المزدوجة غير المباشرة.
طار الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى الجزائر وقضى بها وقتا ممتعا في تبادل عبارات المودة مع النظام الجزائري. حملت الزيارة في ظاهرها تنقية الأجواء بين البلدين وتبديد الخلافات وتقوية العلاقات الاقتصادية.
في باطن هذه الزيارة ما من موضوع آخر غير  طلب النظام الجزائري من باريس عدم الانسياق وراء مدريد وبرلين وواشنطن في الاعتراف بمغربية الصحراء، وهي طلب يطرب مسامع فرنسا، التي تعرف جيدا بأن الوقوف في الوسط بين اامغرب والجزائر يجعلها تكسب أكثر وأطول من كلا البلدين.
باعتمادها سياسة ضربة البلياردو المزدوجة وغير المباشرة، وبإتقانها لعبة إذكاء الصراع، لم يعد من شك في دور فرنسا في دفع الرئيس التونسي قيس سعيد للاصطفاف إلى جانب النظام الجزائري في قضية الصحراء، حتى خطا خطوته العشواء واستقبل زعيم جبهة البوليساريو خلال القمة اليابانية الإفريقية.
إلى ذلك، نال قيس سعيد الذي لا يحظى باعتراف التونسيين اعتراف باريس ودعمها له، فجادت عليه بتنظيم القمة الفرونكوفونية في 19 و20 نونبر 2020، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصيا، وهو ما بتعبر مكافأة له رغم العزلة الإقليمية والدولية التي يعيشها بسبب ما يرتكبه في بلاده من انتهاكات للديمقراطية وحقوق الإنسان. 
تؤمن فرنسا بأن كل الأوراق جائزة للضغط على المغرب، فموقعه يتجه به لأن يصبح رقما صعبا في القارة الإفريقية والمنطقة العربية، على خلاف كل من الجزائر وتونس، لذلك استعملت باريس مواضيع على تفاهتها مثل حجب التأشيرات عن المواطنين المغاربة، وانسحاب السفيرة فجأة، وشن حملات معادية في صحافتها ضد المسؤولين المغاربة، والتهديد بنشر اسماء وودائع مسؤولين مغاربة والى غير ذلك من التلميحات بضغوط من شتى الأصناف.
ظل المفرب متمسكا بموقفه، وهو مطالبة فرنسا باعتراف صريح بالسيادة المغربية على الصحراء، وجاء موعد التصويت داخل مجلس الأمن في 27 أكتوبر 2022، صدر القرار رقم 2654، لصالح التوجه المفربي، دون أن يبدي مندوب فرنسا اي اعتراض عليه، بل صوت لصالحه.
كانت صدمة بالنسبة للنظام الجزائري، خاصة أن القرار يحدد مسؤولية الجزائر في النزاع حول الصحراء واستمراره.
اعتقدت باريس أن الرباط ستكتفي بالموقف الفرنسي على حاله كما كان لسنوات وعقود. 
من جهة أخرى، ارسل الإليزي سفيرا جديدا إلى المغرب، وأطلق إشارات وتلميحات بعودة المياه إلى مجاريها. وشاءت الأقدار أن يتواجه المغرب وفرنسا على المستوى الكروي في نصف النهائي في مونديال قطر ،  وكانت مناسبة لتظهر الرياضة ما تخفيه السياسة، حيث جن جنون الرئيس الفرنسي لأن يجعل من هذه المقابلة مسألة موت أو حياة بالنسبة لفرنسا.
طار ماكرون إلى الدوحة وفعل المستحيل لأن يتعرض الفريق المغربي للإقصاء ويتأهل فريق بلاده إلى النهائي، وذلك ما حصل بالفعل حتى أن شهادات موثقة من أطراف مختلفة تقر بأن الفريق المغربي كان ضحية التحكيم.
في غضون ذلك، طارت وزيرة الخارجية الفرنسبة كاترين كولونا، في 15 دجنبر 2022، إلى الرباط حاملة معها مقترحات لتحسين العلاقات في مقدمتها الإعلان عن رفع القيود عن التأشيرات للمواطنين المغاربة، والتمهيد لزيارة الرئيس ماكرون إلى المفرب، وإعلان باريس دعمها لمقترح الحكم الذاتي.
لكن  وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، وخلال الندوة الصحافية المشتركة أشار إلى كولونا أن طاولة لي الذراع ما تزال في مكانها، وطلب منها أن تحمل السماعة لتلقي ترجمة ما سيقوله، وأن  المغرب لم يعد يستخدم اللغة الفرنسبة في التعبير عن مواقفه.
انصدمت كولونا بهذا الموقف وهي تسمع بأن دعم مقترح الحكم الذاتي لا يكفي، وأن المغرب بنتظر من فرنسا اعترافا صريحا بسيادته على كافة أراضيه ودون مراوغة أو تلاعب.
كان مقررا أن يقوم إيمانويل ماكرون بزيارة إلى المغرب في مستهل العام 2023، ولكن تم الإعلان عن تأجيلها. واختلف كثيرون في تفسير أسباب ذلك، إلا أنه ليس من سبب حقيقي سوى تمسك المغرب بإعلان فرنسي بمستوى قوة الإعلان الأمريكي في الاعتراف بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية.
بالنسبة للمغرب لا يطلب من فرنسا ما ليس من حقه، وهو حق تطلبه اي دولة، أي الاعتراف بالسيادة على وحدتها الترابية.
يعرف المغرب جيدا أن ما بمنع فرنسا من القيام بذلك هو الحفاظ على مصالحها مع خصوم المغرب، وتحديدا النظام الجزائري، فهي  ثية على هذا النظام منذ انسحابها من الجزائر  في 1962.
لكن بالنسبة للمغرب حان الوقت لوضع نقطة في نهاية السطر، وقلب الصفحة، أو ربما غلق الدفتر بكامله.
لم تستوعب فرنسا بعد سبب أو أسباب إصرار المغرب على ما تراه تشددا في موقفه، وهي غير مستعدة في الوقت الراهن لتفعل ما فعلته الإدارة الأمريكية، وفي انتظار أن يتأكد لها أن عالم اليوم ليس كعالم الأمس، ستكون إن يكن الوقت قد فات مجبرة على التسليم بسيادة المغرب كاملة وغير منقوصة.
طابت اوقاتكم