الرئيسية / أخر المستجدات / الهجرة إلى المستقبل

الهجرة إلى المستقبل

د عبد الإله بلقزيز/

في الثّقافات الحديثة التي حلّت معضلات علاقاتها بتراثاتها حلاًّ صحيحاً، على قاعدة الاستيعاب النّقديّ والتّجاوز، لا نجد في تلك الثّقافات ولا في المجتمعات التي أنتجتْها مشكلة مع الماضي، أو عقدةً يمثّلها ثِـقل هذا الماضي، مثلاً، في حاضرها. الماضي زمن طبيعيّ من أزمنة تلك الثّـقافات والمجتمعات، وليس زمناً فائضاً عن حدّه، مجتاحاً غيرَه أو فارضاً على ما بعدَه أحكامه. نحن، إذن، أمام حالةٍ سويّة يتصالح فيها مجتمعٌ، وتتصالح فيها ثقافةٌ، مع ماضيها مع غير قليلٍ من الاعتزاز بمكتسبات ذلك الماضي، ولكن – أيضاً – من غير أن يُسْتَعْـبَدا له أو يكونا عالة عليه، ومن غير أن يسقطا في المطبّـيْن المرذوليْن والمتضافريْن في النّتائج: في تبجيله وأَسْطَرته، أو في ذمّه والقدْح فيه وإنكاره.

تلك هي حالة الثّقافة الغَـرْبيّة مع ماضيها وتراثها. استحقّ فيها وفي تاريخ مجتمعاتها ما يستحقّه من مكانة؛ من غير تبخيسٍ ولا تضخيم، فاحتل حيِّزَهُ الطّبيعي والمناسب من ذلك التّاريخ، فما كان عبئاً على حاضر تلك المجتمعات، ولا كابحاً أمام انتقالها إلى المستقبل. ولئلاّ يقال إنّ الأمر في هذه العلاقة السّويّة بالماضي يتعلّق بالغرب، حصراً، لأنّه نجح في حلّ سوى هذه من المعضلات الأخرى، نسارع فنقول إنّ العلاقة السّويّة عينَها نعثر عليها في بيئاتٍ أخرى غير غربيّة؛ آسيويّة وأمريكيّة لاتينيّة: في اليابان، والصّين، وكوريا، والهند، والبرازيل، والأرجنتين… إلخ؛ حيث تتجاور نظرة الاعتزاز بالماضي جنباً إلى جنب مع الشّعور بالحاجة إلى التّحرّر من سلطانه على الحاضر والمستقبل.

هذه مجتمعات تعيش حاضرها بقدرٍ من التّوازن النّفسيّ، وتخطو نحو المستقبل بثباتٍ وثقة؛ لأنّها لم تفتعل مشكلاتٍ مع ماضيها، ولا تنكّرت لِمَا هو في حكم الخاص أو الخصوصي لديها بدعوى أنّه يعيدها إلى زمنٍ مضى! وليست تلك حال المجتمعات جميعِها، ولا حال تياراتها الثّقافيّة الحديثة؛ ففي كثير من مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة المعاصرة، مثلاً، من لا يزالون يرزحون في قيود الخصومة الدّائبة مع الماضي، ويتولاّهم الشّعور بالتّضايُـق من أنّ ذلك الماضي كان حقبةً من الزّمن في تاريخهم، مع شعورٍ من الخوف والهلع من أن يستمرّ سلطانُ ذلك الماضي وقيَمِـهِ متجدّداً في الحاضر كابحاً لتحرّره. نحن، هنا، إزاء حالةٍ من الفوبيا (الرُّهاب) تجاه الماضي تستبدّ بوعي نخبةٍ حديثة في مجتمعاتنا، تجمع طيفاً واسعاً من المثقّفين والسّياسيّين والاقتصاديّين من الذين لا تشدّهم صلةُ تفاعُـلٍ مع ماضيهم وتراثهم، بل من الذين لا يشعرون بأنّهم ينتمون إليه.

يفترض هذا النّوع من النّظر السّلبيّ والعدميّ إلى الماضي، عند مَن يَحْمله ويسْكُنُ وعيَه، البحثَ عن ملاذٍ آخر في الزّمن غيره؛ وليس من ملاذٍ غيرُ المستقبل، علماً أنّ الحاضرَ نفسَه ليس مَرْضيّاً عنه، كثيراً، من لدن هؤلاء لاستمرار آثار الماضي فيه. لا بدّ، عند أهلِ المقالة العدميّة، إذن، من مستقبلٍ خلْوٍ من تلويثٍ يأتيه من أزمنةٍ قبله. ليس من مشكلةٍ عندهم في بَـتْر لحظةٍ من الزّمن وكأنْ لم تكن، مثل أيّ زائدةٍ في الجسم تَـقْبَل البَتْر؛ بل لعلّ البَتْـر هذا يكون ضروريّاً لقطْع دابرِ الانهواس بالماضي أو العودة إليه! هكذا يكون الذّهاب، عندهم، إلى المستقبل فعلاً مأمونَ المسالك، يقطعون شوطَهُ وقد تحلّلوا من كلّ ما يصْرِف انتباهَهم عن وجهتهم التي يقصدون: محجّتهم التي يبذلون الأنفُسَ من أجل بلوغ نهايتها.

لكنّ هؤلاء فاتَهم أن يُدْركوا أنّ من ليس يمتلك ماضيه، ويتصالح معه لا يملك أن يبنيَ مستقبلاً؛ وآيُ ذلك أنّه أخفق في بناء حاضرٍ تَـدْخُل به مجتمعاتهم إلى التّاريخ، فَـبَدَا الأخيرُ (الحاضر) حائراً متردِّداً بين بقيّةٍ من ماضٍ – تجثُم على الأذهان والقيم والرّؤى – وبعضٍ من المستَعَار الأجنبيّ الذي لا يمسّ القاع الثّقافيّ إنْ كان يَـقْوى على تحديث البنى الماديّة والحياتيّة! ولكنّ الذي لا يمكن التّساهل معه في أزعومة المستقبل هذه – لدى من يهاجرون إلى ضفافه بأحلامهم لا بمَرَاكبهم – هو النّموذج المرتَجى لذلك المستقبل؛ ذلك أنّ من يسمعهم يتحدّثون عن مستقبل «يَجُـبّ» ما قَبْـلَهُ، ربّما خيِّل إليه أنّهم يتأبّطون مشروعاً ابتنوْهُ مستفيدين من خبْـراتهم. غير أنّه سرعان ما يكتشف أنّهم يستنسخون نماذجَ غيرِهم من غير أن يدركوا أنّ التّاريخ لا يُصْنَع وَفْـقَ وصْفات جاهزة! لعلّهم لا يدركون أنّهم سيظلّون، حتّى إشعار آخر، عالةً على غيرهم…، بل هم، قطعاً، لا يدركون…

إنّ الهجرة إلى المستقبل ليست، على الحقيقة، غير هروبٍ إلى الأمام من مـــــواجهةٍ فكريّةٍ وأخـــــلاقيّة شُجاعة للمعضلات التي يطرحها الماضي والحاضر معاً، أو – قُـلْ – هي الاسمُ الحَركيّ للاستقالة من المسؤوليّة التّاريخيّة!

[email protected]