الرئيسية / أخر المستجدات / تمرد على الأحادية الغربية

تمرد على الأحادية الغربية

د. محمد السعيد إدريس/

يقول القانون العلمي أن “لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة مضاد له في الاتجاه”، لكن وبكل أسف استعلت الدول الغربية المغرورة بقوتها وحضارتها على هذا القانون وهي تمارس تسلطها واستعلائها على كل العالم على مدى التاريخ الحديث والمعاصر، لذلك لم يستطيعوا فهم قانون “ثورات الشعوب” المضطهدة، وظلت أدبياتهم تتعامل مع كل الثورات الطامحة للتحرر من قيود الاستعباد والاستعمار باعتبارها تمرداً وإرهاباً وخروجاً على القانون، ويعتبرون قمعهم لمثل هذه الثورات احتراماً لقانون هم من صاغوا بنوده، وهم أول من يخرجون عليه إذا تعارض مع مصالحهم. فقانون حرية السوق وحرية التجارة العالمية مثلاً هم من ابتدعوه لنهب ثروات العالم وجعلها تتجه في اتجاه واحد “من الغرب إلى الشرق” أو “من الجنوب إلى الشمال” وعندما تعارض هذا القانون مع مصالحهم كانوا هم، بقيادتهم الأمريكية، أول من خرجوا عليه وفرضوا الكثير من “القوانين الحمائية” لحماية اقتصاداتهم من التأثيرات المتبادلة لحرية السوق العالمية وحرية التجارة. وهم من صاغوا ميثاق الأمم المتحدة، وهم من تحدوا الالتزام به عندما تعارض مع مصالحهم، سواء ما يتعلق باحترام حريات وسيادة الدول والشعوب، أو ما يتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، أو بالتأكيد على إدارة العلاقات الدولية بالتعاون والسلام. هم من أسقط هذه المبادئ والقيم، بل هم من تحدى الطبيعة وقوانينها ومن ثم تسبب في حدوث الكوارث العالمية من زلازل وبراكين وعواصف وارتفاع حرارة الأرض وذوبان الجليد وغيرها لأنهم أعطوا الأولوية لمكاسبهم على حساب المصالح الكونية العامة.

شعوب العالم كله باتت تكتوي بهذه الممارسات الغربية التي أغراها غرورها بالسعي الدءوب لفرض جديد منظوماتها القيمية على باقي العالم وفق منظورها لـ “عولمة القيم” الذي ليس له غير معنى واحد هو “عولمة القيم الغربية”. الكارثة أن هذا يحدث في وقت وقعت فيه منظومة القيم الغربية أسيرة لثلاثة دوائر أقرب إلى “المستنقعات” هي دائرة الإلحاد الذي يزداد تفشياً في الغرب، ودائرة الشذوذ التي باتت محمية بالقوانين، ودائرة المخدرات. ثلاث دوائر متشابكة باتت تحكم منظومة القيم الغربية وهى تتغنى بقيم الحرية وحماية حقوق الإنسان التي أخذت تتحدث حالياً ليس عن حرية الإنسان في أن يعيش في دولة تحترم إنسانيته وتوفر له احتياجاته وحقوقه وتؤمن له نظاماً خالياً من كل أنواع التمييز، بل عن حرية الإلحاد وحرية الاختيارات الجنسية وحرية تناول المخدرات، لم تعد تتحدث فقط، بل أخذت تضغط لفرض هذه الحريات الساقطة على بقية شعوب العالم باعتبارها عنواناً لـ “الحداثة”، وأخذت تتجه نحو معاقبة كل من لا يقبلون بـ “توطين” هذه الحريات في مجتمعاتهم، وهناك من يسعى في المجالس النيابية بهذه الدول للدعوة لربط المبيعات العسكرية باحترام “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” التي باتت أسيرة لهذه الحريات.

وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد كان حتماً أن يفرض القانون العلمي نفسه في شكل موجات من التمرد على هذه الحضارة الغربية باستعلائها السياسي ونهبها الاقتصادي وفوقيتها القيمية، والتحدي الذى أظهره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه المهم والقوي أمام الفيدرالية الوطنية بمناسبة مرور عام على “الحرب الأوكرانية” (28/2/2023)، كان مؤشراً مهماً لهذا التمرد في الاتجاهين: الاتجاه الاستراتيجي بالتصميم على إسقاط المشروع الغربي “الأطلسي” العدواني ضد روسيا كما تؤكده الحرب الأوكرانية، وإظهار التحدي الصريح في رفض منظومة القيم الغربية. وهذا التمرد بدأت تمارسه الصين هي الأخرى، ولكن بأساليبها الخاصة التي أخذت تكتسب مصداقية واسعة في معظم أنحاء العالم تنال كثيراً من مصداقية الغرب، للدرجة التي جعلت البروفيسور “نوربرت لامبرت” الرئيس السابق للبوندستاج (البرلمان الألماني) الرئيس الحالي لمؤسسة “كونراد أديناور” يقول: “من الواضح أن الزمن الذى كان فيه للأفكار المستمدة من الغرب تأثير تكويني شبه تلقائي على بقية العالم قد ولى. نجد أنفسنا الآن في وضع تنافسي يجب أن نكون واعين له وجادين بشأنه”.

التمرد العالمي على الغرب، ما زال في بدايته، لكنه ينتشر بقوة في معظم أنحاء العالم باستثناءات محدودة خاصة في العالمين العربي والإسلامي بكل أسف، كما أنه تمرد يعبر عن نفسه بأشكال وأساليب كثيرة، ويمكننا أن نرصد أربعة نماذج من هذا التمرد هي: التمرد الروسي- الصيني، والتمرد الأمريكي – اللاتيني، والتمرد الأفريقي والتمرد الآسيوي (الإيراني). وهي بهذا المعنى، ولحسن الحظ، تنتمي إلى مجتمعات الشرق، الأمر الذي يشجعنا لإعادة طرح فكرة “حوار حضارات الشرق” كبديل، أو على الأقل، كمرحلة أولى لجعل الطموح إلى “حوار الحضارات العالمي” أكثر واقعية في حال تحقيق توازن القوة وتوازن المصالح بين كل من حضارات الشرق والحضارة الغربية.

بالنسبة للتمرد الروسي- الصيني، فإنه يعتبر رأس الحربة في صراع حضارات الشرق أو صدامها مع حضارة الغرب، لأنه بات قادراً على تحقيق نجاحات مرموقة في مجال التحدي الاستراتيجي – العسكري، والمجال الاقتصادي والمجال الثقافي، ظهرت في مؤشرات كثيرة كان آخرها تمكن روسيا والصين من إفشال المسعى الغربي لصدور بيان عن اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة العشرين في نيودلهي بالهند (2/3/2023) يتضمن مطالبة موسكو “بوقف الأعمال الحربية في أوكرانيا” وإفشال صدور بيان مماثل قبل أسبوع من هذا التاريخ لوزراء مالية ومحافظي بنوك دول مجموعة العشرين عقد في بنغالون بالهند أيضاً التي تترأس حالياً مجموعة دول العشرين. وقبل ذلك بأقل من أسبوعين كانت الصين تطلق منطاداً أثار الرعب في الولايات المتحدة وكندا بعد تحليق لأكثر من يومين في الأجواء الأمريكية قبل إسقاطه، لكن التمرد الصيني- الروسي الأهم على الغرب يتجلى في مسيرة النجاحات التي تتحقق في مسعى تحقيق تحول درامي لمستقبل النظام النقدي العالمي، عبر اعتماد محتمل للمؤتمر القادم لقمة منظمة “بريكس” القادمة في جنوب أفريقيا (الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا) (أغسطس 2023) لعملة موحدة بديلاً للدولار الأمريكي واليورو الأوروبي والإسترليني البريطاني. إلى جانب ذلك يأتي التمرد الروسي على النظام الأحادي الأمريكي في أوكرانيا بإصرار الرئيس بوتين على تحقيق الأهداف وإظهار التحدي للأمريكيين بتعليق العمل بمعاهدة “ستارت الحديدة” الروسية – الأمريكية الخاصة بشأن نزع السلاح النووي التي تعنى إشارة روسية للعودة مجدداً إلى السباق النووي رداً على التورط الأمريكي- الأوروبي المتزايد في أوكرانيا.

التمدد الروسي – الصيني بدعمه التمرد الأمريكي – اللاتيني والتمرد الأفريقي بالتحرر من الارتباط بالغرب لصالح التقارب مع روسيا والصين، والتمرد الإيراني باتجاهه نحو تأسيس علاقات شراكة استراتيجية مع كل من روسيا والصين للدرجة التي أزعجت الأمريكيين ووضعتهم أولاً أمام خطر تفجر حرب في الشرق الأوسط بين إسرائيل و إيران لا تريدها، وجعلتها ثانيا تحذر من مخاطر التقارب العسكري الإيراني – الروسي وتطالب بتأسيس تحالف عالمي لاحتوائه.

هذه التمردات هي بدايات تقول أن حضارات الشرق باتت قادرة على تحدى الحضارة الغربية في وقت تعانى فيه الحضارة الغربية من خطر السقوط. يبقى التساؤل عن مدى قدرة حضارات الشرق في التحالف مع بعضها