الرئيسية / أخر المستجدات / حرب التحرير الفلسطينية.. بين الدعاية الغربية والمشروعية الدولية

حرب التحرير الفلسطينية.. بين الدعاية الغربية والمشروعية الدولية

د عمر محمود بنجلون

منذ بداية المشكل الصهيوني في فلسطين، عرفت القضية الفلسطينية ثلاثة ازمنة أحالت المجتمع الدولي على خيارين ناتجين عن موازين القوى السياسية الجديدة منها بروز جيوش شبه عسكرية في شمال و جنوب فلسطين حطمت التفوق المعنوي للجيش الاستعماري الصهيوني :

– الزمن الأول ما بين الإعلان عن “دولة إسرائيل” سنة 1948 و النكسة العربية سنة 1967، يخير المجتمع الدولي بين حل الدولتين أو الكل الفلسطيني في أراضيه التاريخية.

الزمن الثاني ما بين 1967 و السابع من أكتوبر 2023 مرورا باتفاقية أوسلو سنة 1993، يخير المجتمع الدولي بين الكل الإسرائيلي و حل الدولتين في أرض فلسطين التاريخية.

– و أخيرا الزمن الثالث منذ السابع من اكتوبر 2023 الذي ينتصر للخيار الأول اي الكل الفلسطيني “من النهر إلى البحر” على حد تعبير الوزيرة الإسبانية يولاندا دياز*، أو حل الدولتين في أرض فلسطين التاريخية.

في الثلاث سنوات الأخيرة قبل عملية “طوفان الأقصى”، طفت ملامح محاولة تصفية القضية الفلسطينية لصالح الدولة العبرية بتطبيع الدول العربية مع الكيان الصهيوني و توسيع الهوى بين المكونات الفلسطينية و تفشي المواكبة الدعائية للمخطط الصهيوني النهائي.

لقد وصل “الإبداع” الدعائي إلى تعابير مختلفة تحت غلاف التضامن، كتلك الصورة الملفتة للانتباه لشاب فلسطيني مرابط بالحِجارة امام السور الصهيوني و الاذرع النارية، يتحدى العدو برقصة عفوية شُبِّهت تعسفا برقصة الهنود الحمر في رُسُم و فيديوهات، ظاهرها متضامن يقارن بين الكيان الصهيوني و حليفه الأمريكي الناشئ على إبادة شعوب “الأباش” و “السيو” … و باطنها مطبع مع القوة الاستعمارية من خلال تنبؤ يائس لمصير الفلسطينيين شبيه بنهاية الهنود الحمر، ما قد يؤدي بالرأي العام إلى تقبل “الكل الإسرائيلي” على انقاض الشعب الفلسطيني.

إن الوعي اليقظ ضد الاستعمار الفكري المواكب للاحتلال الميداني يتمثل في التصدي للتزوير الإيديولوجي و المفاهيمي، كما قال الشهيد عمر بنجلون* على أن “التضليل و الخلط من ابشع وسائل القمع” كونهما يحرمان الشعوب من الوضوح الفكري و يقلبان المفاهيم كمعاني المقاومة و الإرهاب، الاعتداء و الدفاع عن النفس، المجرم و الضحية، المدني و العسكري و غيرها من الجدليات في خدمة الأمر الواقع الاستعماري الصهيوني على فلسطين و منطقتي الشرق الأوسط و البحر المتوسط.

إن التشخيص المركب لهذه الفوضى الاصطلاحية المتعددة الأبعاد مجسَّد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تؤطر المفهوم القانوني “للدفاع عن النفس”، اللذي استباحه الكيان الصهيوني في دعايته الحربية لجريمته المستمرة المٌمَثَّلة في إبادة الشعب الفلسطيني.

حتى الإعلام الغربي اصطف وراء هذا العنوان العريض قبل تراجعه النسبي، في تزوير فادح لمضامينه السياسية بالرغم من أسسه القانونية و مقوماته الفقهية المتجلية في صفة “الدولة” المشروطة على أطراف النزاع، و احترام النسبية في الرد، و التشبث بالمساطر الدولية كإخبار مجلس الأمن قبل المبادرة الدفاعية، و ضرورة استهداف مواقع عسكرية لا مدنية كما فعلت إيران بعد اغتيال مسؤوليها في دمشق أو المقاومة الفلسطينية منذ ازيد من سبعة أشهر في المرحلة الاخيرة.

بالرغم من الدعاية الغربية يضل الواقع عنيد لا يقبل التحريف، لأن الكيان الصهيوني في وضعية استعمار للأرض و الشعب الفلسطينيين لا يحق له رفع شعار “الدفاع عن النفس”، كما انه أمام حركة سياسية و عسكرية قررت بعد 30 سنة من الحوار العقيم مع المحتل و توسعه الميداني و الجدل الداخلي أن تتبنى خيار المقاومة في فلسطين المعترف بها دوليا منذ ازيد من 75 سنة و المتواجدة ضمن ملفات لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة التي تعترف صراحة بحركات التحرر الشعبية المسلحة.

إن وضعية الاستعمار الصهيوني قد تعفينا من الدفع بشرط النسبية بين أطراف الصراع نضرا لانعدام الشروط الأولى ل”الدفاع عن النفس” كوجوب اعتداء دولة على دولة، لكن الأطروحات المزيفة للمستعمِر تحثم علينا التطرق لشرط “النسبية” في مجال “الدفاع عن النفس” الدولي نضرا لما ترتكبه اسرائيل من جرائم ضد البشرية حسب مضامين اتفاقية روما و معاهدة جنيف، ذهب ضحيتها 40 ألف شهيد فلسطيني.

إنها هزيمة أخلاقية للكيان الصهيوني و الغرب في حرب اكتوبر الثانية*، تتجلى في تبرير الوحشية كما عبَر عن ذلك سياسيون كثر يؤكدون على أنهم “لا يفهمون كيف يُطلب من إسرائيل أن تقوم بحرب نقية و هي تدافع عن نفسها و عن العالم الحر”*، متناسين على أن منطق “الأضرار الجانبية” ساري على طرفي النزاع بالرغم من أن المقاومة الفلسطينية تتجنب قصف “المدنيين” الإسرائيليين و إنْ كانوا جلهم في الخدمة العسكرية.

إن الأفعال الجرمية التي يقترفها الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية تتلائم مع أربع مواد كبرى في القانون الجنائي الدولي، و عند الوقوف على تفاصيل التوثيق البصري لحرب غزة الأخيرة نتسائل إن لم تكن معاهدة روما اُعِدَّت لوصف ما يقع في الاراضي الفلسطينية كما هو الحال بالنسبة للمادتين السادسة و السابعة التي تعاقب الإبادة الجماعية و الجريمة ضد الإنسانية وفقا للتعريف التالي :

– “أي فعل من الأفعال يُرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه، إهلاك كلي أو جزئي، قتل أفراد الجماعة و إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة، إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا، نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى”.

“أي فعل من الأفعال التي تٌرتكب في إطار هجومي واسع النطاق أو ممنهج موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين و عن علم بالهجوم و القتل العمد و الإبادة و إبعاد السكان أو النقل القصري للسكان و السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية مما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي، و التعذيب و اضطهاد أي جماعة محددة لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو ثقافية أو إثنية أو دينية، بالإضافة للاختفاء القصري للأشخاص و جريمة الفصل  العنصري”.

هنا نقف عند إحدى مظاهر الحرب الإيديولوجية التي تستغل حسن نية الحركات التضامنية المدنية : المادة السابعة من معاهدة روما التي تشير إلى “الميز العنصري” او ما يعرف ب “الابرطايد”.

عندما ننساق للدفاع عن رفع الميز العنصري على الشعب الفلسطيني، ألا يفسر ذلك على أننا لسنا بصدد الحديث عن تحرر شعب مستعمَر بل ندافع فقط عن حقوقه المدنية من داخل دولة نعترف بها بالرغم من عدم منحها للحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني ؟

هنا قد نلامس احدى المخاطرات الدعائية على القضية الفلسطينية من خلال الاصطلاح السياسي و التشريعي، الذي يوفر أرضية خصبة للوعي الدولي كي ينساق ايديولوجيا إلى “الكل الاسرائيلي” و يبتعد تدريجيا عن جوهر القضية ألا و هو الاستعمار الصهيوني بفلسطين و ليس الحقوق المدنية للفلسطينيين من داخل دولة استعمارية.

من المؤكد ان هناك ميز عنصري لا مثيل له عبر التاريخ، لكنه مجرد تناقض ثانوي تابع و مقيد بالتناقض الرئيسي ألا و هو احتلال الارض و الشعب الفلسطيني.

بالرجوع إلى القانون الجنائي الدولي نستحضر كذلك المادة الثامنة من معاهدة روما التي تُعَرِّف جرائم الحرب، كما لو انها هي الأخرى وُجِدَت لتؤرخ ما تقترفه الآلة العسكرية الصهيونية، تلك الافعال المعروفة ب “الانتهاكات الجسيمة و المتمثلة في القتل العمد و التعذيب أو المعاملات اللاإنسانية و تعمد إحداث معاناة شديدة  أو إلحاق أدى خطير بالجسم أو الصحة و إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات و الاستيلاء عليها دون ضرورة عسكرية و الإبعاد أو النقل أو الحبس الغير المشروع”.

كما تعني جرائم الحرب في القانون الدولي كل الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين و الأعراف السارية على المنازعات الدولية منها “تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين” كما يفعل الكيان الصهيوني بالمجموعات المدنية التي تتوجه للإعانات الإنسانية في الشواطئ أو المستشفيات أو التجمعات السكنية، و استهداف موظفي و منشئات المنظمات الإنسانية الدولية التي لا تشكل مواقع أو أهداف عسكرية بعلة “القضاء على الإرهاب” في وصف مضلل لحركات المقاومة الفلسطينية.

كثيرا ما يتم وصف حركات المقاومة ب”الإرهابية” عبر التاريخ كما في شمال افريقيا أيام الاستعمار، حيث كان العمل الفدائي يوصف بالإرهاب في محاولة للتسفيه رغم الحق المشروع لكل شعب ابتلي بالاحتلال أن يقاوم بالسلاح وفق المواثيق و القرارات الدولية التي تؤكد صراحة شرعية المقاومة المسلحة في مواجهة الاستعمار لا سيما الاحتلال الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية.

لقد صدرت سنة 1907 اتفاقية لاهاي التي تقر بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي، و اتفاقية جنيف الثالثة سنة 1949 التي تعتبر في مادتها الرابعة على أن “المقاومة المسلحة للاحتلال حق مشروع”، كما صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1970 يؤكد على شرعية  نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية من أجل تقرير مصيرها بأي وسيلة بما في ذلك السلاح، و اعترافها سنة 1974 بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفق ميثاق الأمم المتحدة و مناشدة جميع الدول و المنظمات الدولية أن تمد دعمها للشعب الفلسطيني من اجل استرداد حقوقه. بعد ذلك توالت مجموعة من القرارات الدولية التي تؤكد على حق مقاومة الشعوب للواقع الاستعماري و بكل الوسائل و منها السلاح، مثل القرار الأممي الصادر سنة 1986 اللذي يؤكد على شرعية المقاومة المسلحة الفلسطينية بمنهجية الربط الواقعي و القانوني مع ما كانت تعيشه ناميبيا و جنوب إفريقيا من أنظمة الميز العنصري و الأبرطايد.

إن القانون الدولي يعطي للمقاومة المسلحة الفلسطينية مشروعيتها الكاملة، و لولا الكفاح المسلح لما استقل المغرب و تحررت الجزائر و تونس و الدول الإفريقية و أمريكا اللاتينية و الآسيوية من الاستعمار، و لا أوروبا من النازية، و لما نهضت الصين الوطنية ثم الشعبية لتصبح دولة عظمى*.

فمشروعية المقاومة المسلحة آتية من نُضُم قانونية و معاهدات و أحكام دولية و ضمير كوني، منها الأحكام الأخيرة لمحكمة العدل الدولية التي اعتبرت الفعل الصهيوني في فلسطين تطهيرا عرقيا و قبلها السور الصهيوني الفاصل إجراءً عنصريا. كما أن مشروعية الكفاح المسلح نابعة من القانون الداخلي لأكبر حليف عسكري و مالي و ديبلوماسي للكيان الصهيوني نفسه، و هو الولايات المتحدة التي تمنح للشعب الامريكي الحق في حمل السلاح عندما تزيغ الدولة عن مبادئها، و ذلك في الفصل الثاني من دستورها الوطني الفيدرالي.

فكيف للولايات المتحدة ان تتبنى منطق المقاومة بين المكونات الداخلية لدولتها و مجتمعها و ترفضه في واقع استعماري كما هو الحال في فلسطين ؟

ان حركة السابع من أكتوبر 2023 دخلت التاريخ كحرب التحرير النهائية في فلسطين، بعد عشرات السنين من الحروب العربية و الثورات و الانتفاضات و العمليات الفدائية و التدافع و الحوار، كما التي اندلعت في الجزائر سنة 1954 أو فييت نام سنة 1945 أو الصين الشعبية بداية القرن العشرين. انها حركة للمقاومة المسلحة غيرت موازين القوى على ارض فلسطين و على الصعيد العالمي، و أثرت على المعجم الغربي اللذي شرع في الازاحة التدريجية نحو اعتبار المقاومة حركة مشروعة بالرغم من المذكرات الدولية الصادرة عن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الذي ساوى بين الجلاد و الضحية.

إنها حرب التحرير الفلسطينية الحاسمة، ابتدأ شوطها الأول بتحقيق أهداف تاريخية منها إفشال أسطورة “الجيش الأخلاقي الذي لا يقهر” التي روج لها العرب قبل الغرب في نشرٍ مُتَعَمِّدٍ للثقافة الانهزامية كرافد من روافد التحكم، و إجبار بعض الدول الأوروبية الوازنة كإسبانيا و ايرلاندا و النرويج و بلجيكا على الاعتراف بفلسطين كمدخل لاعتراف دول أخرى و من خلاله الاعتراف الأوروبي الضمني بالمقاومة المسلحة، و وقف المد الإستيطاني التوسعي الآتي من خارج فلسطين و بداخلها بل إفراغ فلسطين من الحضور الصهيوني بفرض عودة آلاف الصهاينة من حيث أتوا، و وقف مسلسل التطبيع مع الدول العربية الذي أراد تصفية القضية الفلسطينية على حساب الشعب الفلسطيني، و تَصَدُّر القضية الفلسطينية لأجندة النظام العالمي من جديد.

بعيدا عن الدعاية الامبريالية، فإن المقاومة المسلحة المناهضة للاستعمار في كل أقطار العالم و منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم، من المغرب الى الصين مرورا بفييت نام و فلسطين، تحضى بالمشروعية الدولية و لا تقاس بمعايير الانتماء الايديولوجي و قوائم الارهاب المنافية للقانون الدولي. كانت شيوعية أم ثورية أم إسلامية أم وطنية، فحركات المقاومة المسلحة هي أولا مناهضة للاستعمار من أجل التطلع لحق كوني من حقوق الإنسان ألا و هو حق الشعوب في تقرير المصير.

——–

* يولاندا دياز وزيرة الشغل و الاقتصاد الاجتماعي بإسبانيا في حكومة الائتلاف الاشتراكي التي اعترفت بدولة فلسطين

* عمر بنجلون أحد زعماء المعارضة بالمغرب في ستينات و سبعينات القرن الماضي ضحية جريمة سياسية في دجنبر 1975.

* حرب اكتوبر الثانية نسبة الى حرب اكتوبر الأولى سنة 1973 بين مصر و إسرائيل.

* تصريح للوزير الأول الفرنسي السابق مانويل فالس في إحدى القنوات الدعائية الفرنسية.

* قال قائد الثورة الصينية ماو تسي تونغ على أن الحرب التي تجعل الناس يتقاتلون ستلغى بتنمية المجتمع، لكن قبل ذلك بالحرب العادلة على الحرب الغير عادلة.

محامي و جامعي مغربي