الرئيسية / أخر المستجدات / حول شكل النظام العالمي الجديد
يوسف مكي

حول شكل النظام العالمي الجديد

د يوسف مكي

بدأت ملامح النظام الدولي الجديد في التعبير عن ذاتها، مع انفضاض مهرجان “الربيع العربي”، حين بدأت روسيا الاتحادية والصين الشعبية، بتحدي الإرادة والمواقف الأمريكية، فيما يتعلق بالأزمة السورية. فقد مارست موسكو وبيجين حق النقض “الفيتو”، في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور قرارات عدة، ضد القيادة السورية. وكان التحدي الأول، للإرادة الأمريكية، قد جاء من فرنسا، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، حين أرادت طالبت ادارة الرئيس الأمريكي بوش الابن مجلس الأمن الدولي، باستصدار قرار ضفي الشرعية الدولية، على مخططها في احتلال العراق، عام 2003. حينها هددت فرنسا، باستخدام الفيتو، لمنع صدور قرار كهذا.

        تتالت الأحداث، وجاء ما يدعى، بالربيع العربي، ليضمن استمرار الهيمنة الأمريكية، على المنطقة، وليحول دون وجود واقع دولي جديد يلغي الأحادية القطبية، وينبثق عنه نظام دولي جديد متعدد الأقطاب. لكن الدب الروسي، بقيادة القيصر الجديد فلاديمير بوتين تحرك بسرعة، في بلاد القرم، حيث تم انتزاعها من أوكرانيا، وإعادتها، إلى روسيا الاتحادية.

        لقد أشرنا في أحاديث سابقة، إلى أن الفوضى الخلاقة، التي أريد أن ينبثق من رحمها نظام شرق أوسط جديد، قد مثلت مكرا جديدا للتاريخ، وانقلب السحر على الساحر. لقد تحولت تلك الفوضى، إلى عنصر تسريع لولادة النظام الجديد، حين تدخلت روسيا في سوريا، تحت شعار مواجهة الإرهاب. وبسبب هذا التدخل، أعيد الاعتبار للدولة السورية، وأجهضت مشاريع تفتيت القطر السوري، إلى دويلات ومحاصصات على أسس طائفية وأثنية، ومعها أجهض مشروع استنساخ التجربة العراقية، على الأراضي السورية.

        ملامح النظام الجديد، العسكرية، لن تختلف كثيرا عن النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. فستبقي معنا إلى ما لا نهاية، الحروب بالوكالة، طالما بقي سلاح الرعب النووي، قائما، مهددا وجود الجنس البشري بأسره. ستتواصل حروب الوكالة، في ظل النظام الدولي الجديد، كيانات تواجه، بعضها، وقوى إقليمية، تحاول توسيع دائرة مصالحها الحوية، وميليشيات  إرهابية، تتناحر مع بعضها، وتتحدى استقرار وأمن دول بأسرها، كما هو حاصل الآن بالمنطقة العربية.

ستطول مرحلة الفوضى، وربما تبقى معنا عدة عقود، طالما أن هزيمة النظام الدولي القديم، لن تتحقق بالضربة القاضية، بل ستأخذ طابع الخلل التدريجي، في موازين القوة الاقتصادية والعسكرية. وربما لن يرفع اليانكي الأمريكي، الراية البيضاء حتى بعد تحقق الخلل في توازن القوة، لصالح التشكل الأوراسي الجديد.

مؤشرات هامة، في محطة الانتقال التاريخي في السياسة الدولية، ينبغي رصدها. لعل أهمها تمكن الصين من تحقيق اختراقات اقتصادية هامة، على مستوى جميع القارات. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بالحضور الصيني المتميز والمكثف بالقارة السوداء.

وروسيا الاتحادية، تحقق اختراقات كبيرة، في مجال مبيعات السلاح، مقتحمة بقوة، أسواق جديدة، كانت حكرا في السابق، على الغرب، وعلى صناعة السلاح الأمريكية بالذات. باتت دول عربية، بنت في السابق، ولفترات طويلة، استراتيجياتها العسكرية، اعتمادا على الأسلحة الغربية، تدخل الأسواق الروسية، وتعقد صفقات مشتريات ضخمة من الاسلحة الاستراتيجية الروسية. ومن ضمن هذه الدول بلدين عربيين رئيسيين هما السعودية ومصر.

بل إن روسيا، تمكنت من اختراق دول في حلف الناتو. وصفقة الصواريخ الروسية، التي اشترتها تركيا، 400 اس هي الأبرز والأشهر بين تلك الصفقات. وقد مثلت تلك الصفقة شرخا عميقا في جدار الناتو، وشكلت تحديا واضحا لسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

في الأيام الأخيرة، نقلت لنا الأخبار، قيام السلاحين الجويين الروسي والصيني، بدورات مراقبة مشتركة في المجال الآسيوي، شملت البحار والمحيطات، والمناطق الحيوية في شرق آسيا. وبذلك تقدم البلدان خطوة جديدة، على طريق تحقيق التكامل بينهما، من التنسيق السياسي والاقتصادي، إلى العمل العسكري الموحد، باتجاه مواجهة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في شرق آسيا.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك، الموقف الروسي- الصيني، من الأزمة السياسية الحادة، بين الإدارة الأمريكية، والحكومة الإيرانية، وتطور ذلك حد تلويح روسيا، بإرسال أساطيلها البحرية، إلى منطقة الخليج العربي، للدفاع عما أسمته بالمصالح الحيوية الروسية، أمكننا استيعاب الحد الذي وصل إليه التشكل الدولي الجديد، المستند على التعددية، بدلا من الأحادية، بما يشكل تغيرا حقيقيا في موازين القوة الدولية، ويضع العالم على أعتاب نظام دولي جديد، مختلف في هياكله وتشكيلاته، وأهدافه، وعناوينه عن النظم التي سادت عالمنا منذ الحرب الكونية الأولى، واستمرت حتى سقوط، حائط برلين في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وانتهت بهيمنة الولايات المتحدة، قوة عسكرية واقتصادية على العالم بأسره، وذلك ما اعتبرناه، واعتبره غيرنا من المحليين والمراقبين، نشازا في التاريخ الإنساني.

لقد أكدت التجربة التاريخية، أن تغول قوة وحيدة على العالم، سيلغي معظم خيارات التطور والبناء، وشكل النظم السياسية أمام بلدان العالم. وسيضع العالم بأسره، أسيرا أمام قوة غاشمة، طالت بقسوتها وجبروتها، كل أركان الكرة الأرضية. التعددية القطبية، تتيح للضعفاء، كما هو الحال مع بلداننا العربية، فرصة الاختيار، وربما التمرد، ورفض واقع الحال، والاقدام على تبني سياسات تخدم المصالح الوطنية.

وفرصة انتظار انبثاق نظام دولي جديد، ينبغي أن لا تضيع، كما ضاعت فرصا أخرى في تاريخنا المعاصر، والتليد. وهي فرصة قد تمر عقود طويلة دون أن تتكرر مرة أخرى. فهل ستكون أمتنا العربية، على مستوى التحديات؟!

اترك تعليقاً