الرئيسية / أخر المستجدات / ربيع الغضب في فرنسا

ربيع الغضب في فرنسا

امحمد مالكي/

لا يمُر يوم إلا وتزداد حدّة غضب الفرنسيين واحتجاجاتهم على ما آلت إليه أوضاعهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فعلى امتداد أكثر من أسبوعين تظاهر الملايين في حواضر ومدن فرنسا، بل إن إيقاع الاحتجاج وحدّته، وعنفه في الكثير من الأحيان، ونوعية الخسائر المادية، وإلى حد ما البشرية، وطبيعة الإسقاطات السلبية على الإنتاج والخدمات، واستمرار عمل المرافق العمومية، كلها مؤشرات ودلائل توحي كأن فرنسا تعيش ثورة قد تُفضي إلى انهيار نظام الجمهورية الخامسة، الذي سبق أن عاش اهتزازات قوية عام 1968 دفعت بمؤسس الجمهورية الخامسة “الجنرال ديغول” إلى الاستقالة (1969)، وانعطاف البلاد نحو تغييرات تدريجية عميقة في فلسفة الحكم وآليات اشتغال المؤسسات الدستورية.

فجّر المشروع الرئاسي برفع سن التقاعد من 62 عاما إلى 64 سنة موجة التظاهرات والاحتجاجات الجارية بقوة في فرنسا، وكان واضحا حتى قبل الابتلاء بوباء كوفيد 19 عام 2020، أن قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي غير راضية عن تمديد سن التقاعد على غرار العديد من الدول الأوروبية، وأنها معترضة على السياسات الاجتماعية للرئيس المنتخب. وقد سبق لفرنسا أن عاشت موجات متصاعدة من الاحتجاجات قام بها أصحاب “السّترات الصفراء” (les gilets jaunes)، شلت قطاعات إنتاج واسعة في فرنسا، وعرّضت استقرارها الاقتصادي والسياسي والأمني للاهتزاز.

أخذ المعترضون على الرئيس ومن معه في السلطة تغليب منطق الليبرالية المتوحشة، وترجيح مصالح ذوي المواقع المتحكمة في عالم المال والاقتصاد والتجارة، وعدم الاكتراث بما له صلة بالأبعاد الاجتماعية للمواطنين، من حيث المحافظة على قدراتهم المعيشية، وإحقاق لعدالة بتقريب الهوة بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية

ففي الحقيقة شهدت مرحلة تولي “إيمانويل ماكرون” رئاسة فرنسا، سواء خلل الولاية الأولى (2017-2022) أو الثانية التي بدأت في 14 أيار/ مايو 2022، توترا شبه مستمر بين الرئيس ومن يمارس السلطة إلى جانبه من أغلبيته، والمعارضة بمختلف ألوانها وتعبيراتها، وهو توتر يجد مصادره في نوعية السياسات المعتمدة، وطبيعة العلاقة التي تربط الرئيس وطاقمه الحكومي بالأحزاب والتنظيمات السياسية المشكلة للأقلية المعارضة. فقد أخذ المعترضون على الرئيس ومن معه في السلطة تغليب منطق الليبرالية المتوحشة، وترجيح مصالح ذوي المواقع المتحكمة في عالم المال والاقتصاد والتجارة، وعدم الاكتراث بما له صلة بالأبعاد الاجتماعية للمواطنين، من حيث المحافظة على قدراتهم المعيشية، وإحقاق لعدالة بتقريب الهوة بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية.

لذلك، مثلت حقبة حكم “ماكرون” بالنسبة لقطاعات واسعة من الشعب لفرنسي تراجعا في مكانة فرنسا الداخلية والدولية، وتقهقرا واضحا في صورة النخبة القائدة في فرنسا، التي ربما شكل الرئيس الأسبق “جاك شيراك” آخر شخصية سياسية من نفس قوة وعيار الشخصيات التي عرفها التاريخ الفرنسي. فالولاية الثانية للرئيس “ماكرون”، وإن لم تنه سنتها الأولى بعد، ظهرت أسوأ من سابقتها، كما أن شعبية الرئيس في تراجع مستمر، وهناك أصوات في تزايد دائم، تدعو وتطالب باستقالته، بُغية تجنيب فرنسا ما قد تعرف مستقبلا من توترات وقلاقل أكثر وأخطر.

يُذكر أن حجج الأغلبية الحاكمة في فرنسا الداعمة لمشروع رفع سن التقاعد، تنبني على الحاجة الماسة لتجنب إفلاس صناديق التقاعد والمعاشات، وتعريض البلاد إلى ما لا يُحتمل من أزمات، واختلال في التوازنات. والحال أنها أسانيد مردود عليها من قبل النقابات العمالية والقطاعية، التي شددت في مطالبها على وجود سُبل أخرى كثيرة للإبقاء على سن التقاعد على ما هو عليه، أي 62 سنة. ثم إن ما يؤخذ على مؤسسة الرئاسة، تحديدا في هذا الموضوع، عجزها عن خلق جسور للتواصل والحوار مع مكونات المجتمع، وتعبيراته النقابية والتمثيلية، قصد بناء الثقة، والوصول إلى أرضية مشتركة، تقرب الاختلافات في وجهات النظر، وتليّن النزاعات الحاصلة بين لأطراف.

لنتذكر أن الشباب الذي قاد ثورة أيار/ مايو 1968، التي أرغمت، إلى جانب عوامل عديدة، مؤسس الجمهورية الخامسة “ديغول” على الاستقالة عام 1969، يوجد الكثير منهم من الأحياء في صفوف المتظاهرين اليوم في مدن فرنسا، معززين بطاقات جديدة، عزّ عليها أن ترى أوضاعها العامة تتراجع إلى الوراء، وآمالها تتبدد بانتظام

وحيث أن الحوار، بالمعنى المشار إليه أعلاه، شبه منعدم، فقد أصبح سائدا العنف والعنف المتبادل، وغاب عن فرنسا أنها موطن الحقوق والحريات والنضال السلمي، وأن الحوار على رأس منظومة القيم التي تراكمت لديها منذ ثورة العام 1789. فمع تصاعد حدة التوتر، فقد بعض المتظاهرين السيطرة على هيجانهم، وراحوا يكسرون واجهات المتاجر، والمقاهي والمطاعم، ويستولون على بعض محطات القطارات، ويعرقلون انتظام رحلاتها، وجراء التخوف من عنف المتظاهرين، أقفلت بعض الواجهات السياحية الشهيرة في باريس، من قبيل “متحف اللوفر”، و”برج إيفل”، وتعطل سير بعض قطارات الأنفاق. وبالمقابل، تمت تعبئة آلاف رجال الأمن، واعتمدوا بدورهم لغة العنف لتفريق المتظاهرين، وثني عزيمتهم عن الاستمرار، فكانت النتيجة تسجيل خسائر مادية وبشرية بين الطرفين.

لا يبدو في الأفق إمكانية توقف حركة التظاهر والعنف في فرنسا، فالراجح أنها ستزداد، ويتقوى عودُها، وقد تنحو منحى خطيرا غير متوقع، بسبب انسداد الحوار والبحث عن المشترك بين الأطراف المتصارعة داخل فرنسا. ولنتذكر أن الشباب الذي قاد ثورة أيار/ مايو 1968، التي أرغمت، إلى جانب عوامل عديدة، مؤسس الجمهورية الخامسة “ديغول” على الاستقالة عام 1969، يوجد الكثير منهم من الأحياء في صفوف المتظاهرين اليوم في مدن فرنسا، معززين بطاقات جديدة، عزّ عليها أن ترى أوضاعها العامة تتراجع إلى الوراء، وآمالها تتبدد بانتظام.

إن الحكمة تقتضي إنصات الرئاسة الفرنسية لنبض مجتمعها، والاستجابة الفورية لما هو جدير بإعادة اللحمة إلى المجتمع الفرنسي، والحفاظ على تماسك مكوناته، ودون استحضار هذه الحكمة والعمل بها وعلى هديها، سيفكك العقد الاجتماعي الفرنسي، ويجد الفرنسيون أنفسهم أمام هذا مضطرين لكتابة تاريخ جديد لجمهوريتهم، كما حصل لهم في أعقاب أيار/ مايو 1968.