الرئيسية / أخر المستجدات / زمن القوميات لم ينصرم

زمن القوميات لم ينصرم

د عبد الإله بلقزيز/

حين يؤدينا تحليل ما يجري من واقعاتٍ سياسية على الصعيد العالمي إلى الاستنتاج بأننا ما برحنا نعيش في عصر القوميات والدول القومية، رغم ما حصل من تحولات هائلة من جنس العولمة والميل نحو الاتحادات والتكتلات الكبرى بين الدول، وأن فكرة الكونية العابرةِ لحدود الأوطان والهويات لم تَبْرح بعد منطقة الافتراض والتطلع…، فهل نحن نقايض هذا بذاك فنضع الوطنية أو القومية في مقابل الكونية، ونُوثِر الانكفاء إلى حدودنا الكيانية لائذين بها؛ وهي ضيقة من غير شكّ أو جدال؟

لا؛ ليس إلى هذا نقصد. ستظل الكونية مطلباً إنسانياً مفتوحاً ومسعى وأفقاً مطموحاً في ارتياده. ولكن الكونية درجات تقترن الواحدة منها بحاجتها إلى ميلاد شرطها الموضوعي الذي يحولها من لحظة الاحتمال إلى لحظة الإمكان. وهي، لهذا السبب، ليست درجاتٍ متساوية في الإمكان. لعل أدناها هو الممكن والمتاح في عالم اليوم، وهو الذي تجسده علاقات التعاون والتعايش الإيجابي والشراكة. على أن هذه نفسها مشروطة بقيام علاقات ندية بين الشركاء، تكون خلواً من الهيمنة والتسلط والاستعلاء والإملاء والابتزاز. وإلى ذلك فإن الكونيةَ ليست نقيضاً للخصوصيات، ولا تنميطاً واحداً قسرياً للمعايير، بلِ الكونية الحق هي، بالتعريف، تلك التي تحترم الخصوصيات بما هي تعبير عن أنظمة ثقافية واجتماعية متنوعة ومتباينة، والحقّ في الاختلاف، اليوم، هو من أقدس حقوق الإنسان، بحيث لا يقبل أن يهدر باسم كونية المعايير. والغالب على عصرنا أن يستمر على هذا النحو من التجاذب بين تيار الخصوصيات (في الثقافة والاجتماع والقيم والسياسات) وتيار الكَوْنَنة (في الاقتصاد والتكنولوجيا) لفترات من الزمن قد تطول وتمتد إلى أكثر مما يتوقّع دعاة الكونية المركزية: الإدماجية- الإلحاقية.

الكونية في حدها الأقصى أو في أعلى درجاتها، حيث العالم واحد والنظام واحد، ليست بعدُ على جدول أعمال الإنسانية المعاصرة وهي -حتى يوم الناس هذا- ضربٌ من الطوبى، والحديث فيها رجمٌ بالغيب والافتراضِ. ولقد كَفَتْنَا العولمة نفسها مشقةَ تفصيلِ الإبانة؛ إذ هي تكفلت ببيان حدود «الكونية» كمَزعمة من المزاعم الجديدة حين انحسرت موجاتها «التوحيدية» الهادرة، فأفضت إلى حالٍ حادة من تَشرنق قواها ومراكزها الكبرى (أمريكا، الصين، أوروبا، اليابان…) على داخلها القومي، دفاعاً عنه من العولمة نفسِها أو من أحكامٍ كونية لا تَقبل بها قوانينها القومية.

هذا استدراك على كونية مزعومة يبدو فيه قدْر من الحيطة والتحفظ، ومَبْنَاهُ -عند كاتب هذه السطور- على يقين بأن عصر الوطنيات والقوميات لم ينصرم بعد بحيث يفتح أفقاً لما بعده؛ فنحن، حتى إشعار آخر، لا نزال نعيش الزمن القومي، على الرغم من كل ما أصاب القوميات من مشكلات، وما عَرَض لها من أزمات. مَن ينفي أن العولمة نفسَها أقامت من تجربتها دليلاً على أنها ما أَتت إلا توطيداً لقوة الدّول (الكبرى) ولمركزها في النظام العالمي؟ لم ينشأ منها عالم كوني واحد موحد -وهذا دليل على ما نقول-، بل خرج من أحشائها أقطاب ودول تسربلت بالقوة المادية (الولايات المتحدة، الصين، الهند، اليابان، أوروبا، روسيا، البرازيل، كوريا الجنوبية). هكذا صارتِ الكونية نفسها (العولمة) في خدمة الدولة الوطنية (الكبرى)، ومورداً غنياً لتعزيز قواها وقدراتها وتحسين موقعها في حلبة المنافسة الدولية. وهكذا، أيضاً، لم تنشأ «مواطنة كونية» بديلاً من مواطَنة الدول الوطنية مثلما يزعُم الخطاب العولمي الليبرالي الجديد عن حقوق الإنسان.

نعاين اليوم صراعاً محتدماً على مفهوم المواطَنة بين استراتيجيات متباينة: بين من يتمسك بالمواطَنة نظاماً تكفله الدولة الوطنية، ومن يسعى إلى فك ارتباط المواطنة بالدولة الوطنية، وإلى التشريع لحقوق لا تأبه للسيادات الوطنية. وإذا كان لنا من شيء نشدد عليه، فهو أن إطار الدولة الوطنية وعقيدةَ السيادة ما زالا النطاقَ المناسب للوجود الاجتماعي، وأنهما يزيدان مشروعيةً ومقبولية كلما وقع إعمارُهما بمبدأ المواطنة ومنظومتها. الدولة القوية، الشرعية في عيون مواطنيها، هي ما تحيط المواطَنة بالرعاية، وتحرص على ترسيخ مبادئها وقيمها في المجتمع وفي النظام التعليمي، فتقدم لغيرها المثال في الإنصاف واحترام كرامة المواطنين. وهي بذلك تكون قوية، أيضاً، في عيون العالم فتستحق من الآخرين احترامها، وإقامةَ الاعتبار لها، وبناء علاقات حسن التعايش معها.

 

[email protected]