الرئيسية / أخر المستجدات / عولمة الثقافة والقيم

عولمة الثقافة والقيم

د عبد الإله بلقزيز/

مثلما لا يَسُوغ الكلام على اقتصادٍ وسياسةٍ خاصّيْن بالعولمة أو منسوبين إليها، بل على عولمةٍ لهما تتوسّل أدواتٍ ومؤسّسات ما كانت متاحة ولا مألوفة في الماضي، كذلك لا يَسُوغ الكلام على «ثقافة العولمة»، و«إعلام العولمة»، و«نظام قيم العولمة» لمجرّد أنّ صورة الثّقافة والإعلام ومنظومة القيم تبدو مختلفة في حقبة العولمة عمّا بدت عليه قبلها. إنْ دقّقنا النّظر، متجاوزين التّمظهرات الخارجيّة للعناصر الثّلاثة المومأ إليها، أَلْفَينا أَنْفُسنا أمام القيم الثّقافيّة والاجتماعيّة والإعلاميّة عينِها التي اصطدمنا بها في فترة طويلة سابقة لميلاد العولمة وبالتّالي، أمام تجدُّدٍ لها يجري من طريق توسُّل وسائل جديدة تتعولم بها. وفي هذا ما يُبْطل القول بثقافةٍ وقيمٍ وإعلامٍ خاصّةٍ بالعولمة أو هي من منتوجات العولمة.

ليس من تزيّدٍ في القول إنّ ما نطالعه من قيمٍ ثقافيّة واجتماعيّة ومن صناعةٍ إعلاميّة وأخلاقيّات إعلاميّة إنّما هو من محْتِد اجتماعيّ وثقافيّ يتمثّل في مجتمعات الغرب. نعم، إنّه يُفصح عن رؤى طبقةٍ اجتماعيّة في تلك المجتمعات، هي البرجوازيّة، لكنّ هذه نجحت – بعد سيطرةٍ مديدة – في أن تعمّم تلك القيم على طبقات المجتمع كافّة وفي أن تمكِّن لها لتصير مهيمنة. ولأنّ تلك الطّبقة كانت مدفوعة – منذ بدايات صعودها – بطموحات إمبراطوريّة، قادتها إلى استعمار قسمٍ كبيرٍ من العالم ورَسْمَلَتِهِ، فقد نقلت الكثير من تلك القيم إلى خارج حدود مجتمعاتها في الغرب. ثمّ ما لبثتِ النّخبُ المحليّة التي أنجبتْها الغزوات الكولونياليّة أن تكفّلت بإكمال ما بدأتْه تلك الطّبقة في المستعمرات، أي بتمكين تلك القيم من الفُشُوِّ والهيمنة في مجتمعات الجنوب.

حين شرعتِ العولمة في إطلاق موجاتها الأولى – وكان ذلك في مستهلّ تسعينيّات القرن العشرين – كان يمكن أن يُلْحَظ الوجهُ الثّقافي والقيميّ والإعلاميّ منها بيُسْرٍ، فيُعْزَل (عزلاً منهجيّاً) عن الاقتصاديِّ والسّياسيِّ والماليِّ والتّكنولوجيّ؛ أي عن تلك المستويات والأبعاد الأخرى التي شدّت انتباه الأغلب الأعمّ من الدّارسين إليها في ذلك الحين. وكان يكفي الانتباه إلى تلك الثّورة الإعلاميّة التي دخل بها النّظام السّمعيّ- البصريّ للاتّصال منعطفَه الهائل (مع ميلاد الإعلام الفضائيّ، أو الإعلام المبثوث في أنحاء العالم كافّة من طريق الأقمار الصّناعيّة المكرّسة لهذه الغاية) لقراءة ذلكم الوجه الثّقافيّ والقيميّ للعولمة، أو قُل – للدّقّة – ذلك الاستعمال العولميّ للقيم وللثّقافة؛ ذلك أنّه انعقدت، في النّظام الإعلاميّ، الأبعادُ الثّقافيّة والقيميّة في عمليّة العولمة وتمركزتْ في بؤرته، فكان هو الذي يحملها إلى العالم كلِّه، وهو الذي يعبّر عنها بأدواته الخاصّة وفي جملتها الأدوات الجديدة.

فعلتِ العولمةُ بالثّقافة والقيم ما فعلتْه بالاقتصاد والتّجارة والمال، وما ستفعله بالمعلومات؛ كَوْننتُها بحمْلها إلى العالم كلِّه متخطّيةً الحدود والسّيادات القوميّة. وكما سقطتِ الحواجز الجمركيّة الحمائيّة أمام السّلع بعولمة التّجارة والاقتصاد، كذلك أسقطتِ العولمةُ الإعلاميّة – ثمّ المعلوماتيّة الرّقميّة لاحقاً – كلّ سياسةٍ حمائيّة للثّقافات ومنظومات القيم لدى المجتمعات والأمم. وشيئاً فشيئاً، كان العالم كلُّه يُبْتَلَع في دائرةٍ واحدة تخاطبها هذه العولمة الثّقافيّة- القيميّة من دون أن تُوحِّد المخاطَبين فيها.

ومع هذه العولمة الثّقافيّة، أصبح داخلُ كلِّ مجتمعٍ مستباحاً بحيث تنهمر عليه المادّة الثّقافيّة والقيميّة من غير استئذان، لتُخاطب فيه الغزيرةَ ومشاعر الحرمان والكبت والفاقة، فتُشبع بعضَها افتراضيّاً، وتُنَمِيّ إغراءَها في النّفس أحياناً أخرى. ولمغالبة حاجز اللّغة أمام نفاذ المادّةُ الثّقافيّة والقيميّة المُعَوْلَمة، كان لا بدّ من الاعتياض عن الكلام بالصّورة، أو تشديد مركزيّة الصّورة في الخطاب البصريّ المبثوث. هكذا كانت تنتقل، بالتّدريج، قيمٌ ومعايير وأذواق وحساسيّات من مركزٍ منتِجٍ لهذه القيم (وللصُّور بالتّالي) إلى أطراف تتلقّاها وتتشبّع بها حثيثاً وتستهلكها وكأنّها منتوجٌ اجتماعيّ محليّ!

وهكذا كانت – واستمرّت – تجري عمليّةُ عولمةٍ للثّقافة والقيم الثّقافيّة والاجتماعيّة الغربيّة، لِتَفْشُوَ هذه في سائر أصقاع الأرض وتتحوّل – مع الزّمن – إلى ثقافة مهيمنة في العالم. لم تنْتِج العولمة ثقافة جديدة – كما لم تُنْجِب في الاقتصاد نمطَ إنتاجٍ جديد – وإنّما اشتغلت بالثّقافة وبالقيم الغربيّة التي كرّستها التّقاليد اللّيبراليّة للبرجوازيّات الحاكمة، وأعادت إنتاجها وتوسّعت في تعميمها مسخِّرَةً في ذلك أحدث الوسائل التي أنجبتها ثورة الاتّصال. وعليه، من غير الجائز الحديث عن «ثقافة العولمة» أو «قيم العولمة»، بل الجائز الكلام على عولمة الثّقافة والقيم.

 

[email protected]