الرئيسية / أخر المستجدات / غنيت مكة وأعز ربي الناس كلهم

غنيت مكة وأعز ربي الناس كلهم

فاطمة ناعوت/

يأتى عيدُ الفطر هذا العام والعالمُ مازال يئنُّ تحت وطآت الجوائح وتوابعها والحروب وويلاتها والنزاعات وتداعياتها، وأطماع الطامعين فيما ليس لهم، وليس على الصالحين إلا رفع الأكف بالدعاء لكى يرفع عنّا الله كلّ هذا ويهدينا سواء السبيل ويحمى الوطن العزيز مما يُرامُ له من شتات.

فى ليلة العيد، أفتحُ لأطفالى أوبريت: «الليلة الكبيرة» للعظيمين «صلاح جاهين» و«سيد مكاوى» لكى نشاهد معًا كيف تستطيع القوى الناعمة والفنون الرفيعة أن تتضافر معًا وتُمسك ريشة الإبداع لكى تلوّن الحياة بألوان الفرح. نتأمل معًا كيف خلّد عباقرةُ مصر فى التأليف والتلحين والغناء وتصميم الرقصات مراسم الاحتفال الحىّ بالعيد بكل ما فيه من بركة وبهجات وأشجان ومواجع ومفارقات وطرائف وحيل وغيرها مما يحدث فى الأحياء الشعبية الحاشدة بالزحام حول مقامات الصالحين، كل هذا عن طريق مجموعة من عرائس الماريونيت المفعمة بالحياة والفرح.

بعدما نفرغ من «الليلة الكبيرة»، أديرُ أغنية «غنيتُ مكةَ» التى تُلخصُ «رسالة المحبة والتنوير»، التى يحاولُ تكريسَها المصلحون والفنانون والمثقفون وأهل الخير عبر الزمان والمكان. تصوروا أغنيةً إسلامية عن مكّة المكرمة والكعبة المشرّفة والحج والحجيج وعن القرآن الكريم ومشاهد الركوع والسجود والتهجد وجميع طقوس أعيادنا الإسلامية، تصوروا أن أغنية حاشدة بكل ما سبق.

كتبها ولحّنها وعزف موسيقاها وشدا بها.. «مسيحيون»!. تصوروا!، ذاك هو «الكود الأخلاقى» الرفيع الذى ننشده ونصبو إليه فى رسالة التنوير. تلك القصيدة الخالدة «غنيّتُ مكةَ» كتبها الشاعرُ «سعيد عقل»، ولحّنها الأخوان: «عاصى ومنصور رحبانى»، وعزفها أوركسترا وكورالُ الرحابنة، وغنّتها فيروزةُ الكوكب «نهاد حدّاد»، المعروفة باسم «فيروز»، «دارة القمر» الآسرة، وجميعُ مَن سبق من الأسماء اللامعة، هم عباقرةٌ «مسيحيون» أحبوا الله فأحببهم اللهُ فى جميع خلق اللهِ، مهما اختلفت عقائدهم.

اقرأوا معى كلماتِ تلك القصيدة الرائقة، وأنتم تنصتون إلى الأغنية بصوت فيروز، ثم اندهشوا: (غنيتُ مكة أهلها الصيدا/ والعيدُ يملأ أضلُعى عيدا/ فرحوا فلألأ تحت كلِّ سمًا/ بيتٌ على بيتِ الهُدى زِيدا/ وعلى اسم ربِّ العالمين/ علا بُنيانُهم كالشَّهبِ ممدودا/ يا قارئَ القرآنِ صَلِّ لهم/ أهلى هناك وطَيِّبِ البِيدا/ مَن راكعٌ ويداه آنستا/ أنْ ليس يبقى البابُ موصودا/ أنا أينما صلّى الأنامُ/ رأتْ عينى السماءَ تفتحت جودا/ لو رملةٌ هتفتْ بمبدعها شجوًا/ لكنتُ لشجوها عودا/ ضجَّ الحجيجُ هناك فاشتبكى بفمى هنا يا وُرْق تغريدا/ وأعزَّ ربّى الناسَ كلَّهمُ/ بيضًا فلا فرّقتَ أو سُودا/ لا قَفرةٌ إلا وتُخصبُها/ إلا ويُعطَى العطرَ لا عودا/ الأرضُ ربى وردةٌ وُعِدَت بكَ أنت تقطفُ/ فاروِ موعودا/ وجمالُ وجهِك لا يزالُ رجًا يُرجى/ وكلٌّ سواهُ مردودا).

كلما سمعتُ تلك الأغنية العذبة، أتأملُ الفكرة من ورائها وأتأكدُ أن الفنانَ الحقيقى قادرٌ على صياغة المجتمع على النحو الصِّحى، المُنقّى من الأدران العنصرية، وأن القوى الناعمة قادرةٌ على النهوض بالبشر فكريًّا وأخلاقيًّا.

الفنّان «الحقيقى» يجيدُ صناعة الفن مضفورًا بالحق والخير والجمال، وتلك هى رسالة التنوير. تُفرّقنا السُّبلُ أحزابًا وتكتلاتٍ وشِيَعًا وجبهات وأغنياءَ وفقراء ويمينًا ويسارًا وبيضًا وسودًا وصُفرًا وأقرباءَ وغرباء وأكثريات وأقليات ومواطنين ووافدين ولاجئين، وتُشتتنا الطائفياتُ: طوائفَ ومذاهبَ ونِحَلًا ومِلَلًا وحروبًا خاسرة لجميع أطرافها.. ولا يجمعُ شتاتنا تحت مِظلّة الإنسانية إلا «الضميرُ الإنسانى»، وروحُ الفنّ الرفيع.

بعد انتهاء شهر الصوم الفضيل، أهديكم فى «عيد الفطر المبارك» أغنيةً شدا بها صوتٌ مسيحىٌّ آخرُ هو عظيمُ الغناء: «وديع الصافى» يغنى لشهر رمضان شاديًا: «شهرنا السمحُ قد بدا/ خيِّرًا يغدقُ الندى/ يمنحُ الطِيبَ والسنا/ يرسلُ النورَ والهدى/ يسعدُ المؤمنَ الذى/ نالَ بالصومِ مقصدا».

التمسُّك بحبل الإنسانية هو جوهر الإيمان بالله، وهو السُّلَّم المتين الذى ترتقى به الأوطانُ على دَرَج النهوض والتقدم. بينما نصالُ الشتات والحروب والتناحر الطائفى والسياسى تنخرُ كما السوس فى جسد الإنسانية والأوطان حتى تتهاوى المجتمعات وتموت.

لهذا حرص الرئيس «السيسى» منذ توليه الحكم عام ٢٠١٤ على تكريس مبادئ المواطنة وإخماد نيران الفتن لأنه يدركُ أن تلك هى اللبنةُ الأولى التى بها يُشيّدُ «الجمهورية الجديدة» على أسس حضارية محترمة وراقية.

«عيد فطر» مبارك وآمن ورغدٌ على مصر والعالم، وكل عام ومصرُ بهيةٌ مشرقة تثبُ نحو النور بخطى رشيقة واسعة. «الدينُ لله، والوطن لمَن يحبُّ الوطن».