الرئيسية / أخر المستجدات / كيف نجت لغتي العربية من المجزرة؟

كيف نجت لغتي العربية من المجزرة؟

العنود المهيري/

حينما كنت متدرّبة جامعية في إحدى الصحف الإماراتية، ولمّا كانت فترة تدريبي تزامنت مع الشهر الفضيل، فقد ابتعثني أحد الصحافيين لتغطية ندوة رمضانية بالنيابة عنه، “ندوة عن حماية اللغة العربية أو ما شابه ذلك”، أخطرني بلا اكتراث.
رحت أومئ برأسي موافقة على كل ما يُقال في الندوة، جزئياً لأطرد النعاس، حتى جاء دور أحد المتحدثين، فجعلني أتوقف عن التدوين في دفتري، وأفكّر جدّياً في النهوض صارخة، “اتق الله يا رجل”.
ففي إطار تشخيصه لأزمة تراجع اللغة العربية، وضعف إلمام واهتمام قومها بها، فتح المتحدث النار على المناهج التعليمية في المدارس الإماراتية، لا سيما الخاصة منها، حيث تكون الغلبة للغة الإنكليزية، ليحمّل تلك المناهج المسؤولية الكاملة عن طغيان الأنغلوساكسونية.
وكنت لأتفق معه جملةً وتفصيلاً، لولا أنّه والد إحدى رفيقات الطفولة، فأنا قد دخلت منزله، وصاحبت عائلته في نزهاتها، وشهدت سير حياتها اليومية.
ببساطة، لقد كان المتحدث –ولنسمّيه “العم سيبويه”- ممن يختارون مخاطبة أبنائهم باللغة الإنكليزية، أعني أبناءه الذين أُدرج أصغرهم في الفصل الخاص بغير الناطقين باللغة العربية!، حتى أكبرهم، والذي تجعله لهجته الإماراتية أقرب لمؤدٍ فاشلٍ لشخصية “الخليجي الثري” في الأفلام المصرية. كان واحداً ممن يستسيغون، بل ربما يفضّلون، تحدّث ولعب وكتابة، وحتى تفكير، أبنائهم بالإنكليزية، ثم تجدهم يشيطنون المناهج الدراسية، وينظّرون عن تسبّبها في تغريب الأطفال، وتفريطهم في لغتهم الأم.
ربما لو تحلّيت بما يكفي من الجنون آنذاك، لنهضت وذكّرته بأني قد انخرطت في النظام التعليمي نفسه كابنته، وتدرّجت معها عبر الصفوف. سأذكّره بأني أنا أيضاً لم أتلق أكثر من بضعة مواد باللغة العربية في الوقت ذاته، مثل مواد اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والجغرافيا والتاريخ.
ألم يكن من المفترض بي، وبالكثير من أقراني، أن نصبح ضحايا لهذه “المجزرة” للغة الضاد؟.
الحقيقة المرّة، والتي يجبن بعض أولياء الأمور عن مواجهتها لأنّه من الأسهل توجيه إصبع الاتهام إلى المناهج، هو أنّ ضياع اللغة العربية يبدأ وينتهي من المنزل.
لم يحبيني الله بأي “قدرات خارقة” للتصدّي لهيمنة الإنكليزية، ولكني ببساطة شديدة تربيت في كنف أسرة لم تتقبّل، ناهيك بأن تشجّع، استخدام غير العربية بين ظهرانيها، وربما عابت ذلك السلوك، ونهرتني عنه.
أصبحت اللغة الإنكليزية معطفاً ييسر لي الحياة في العالم الخارجي، ويعينني على التكيّف معها، ولكن ما أن أعود إلى المنزل، حتى أعلّقه بمحاذاة الباب. لم أحتقر المعطف، والدفء الذي يوفّره، ولكني أدركت بأني لا أحتاجه، بل سيبدو شكلي غبياً للغاية، إذا وضعته بين أسرتي وأبناء بيئتي. ولهذا، لم يسع المعطف أن “يرتديني”، ويصبح هوية ملازمة لي.
في اليوم العالمي للغة العربية، أرجو ألاّ تهدروا طاقتكم في لوم المناهج والإعلام والانترنت والجن الأزرق، وتعهّدوا بتحويل بيوتكم إلى حصون منيعة للغة الضاد.