الرئيسية / أخر المستجدات / لصندوق البريد نقول وداعا

لصندوق البريد نقول وداعا

د. حسن مدن/

شاعران من الوزن الثقيل يحضران على البال ونحن نتحدث عن صندوق البريد، أو مبنى البريد عامة، الذي نودع فيه رسائلنا الموجهة لآخرين، أو نستلم رسائل قادمة إلينا.

أول هذين الشاعرين اللذين أتينا على سيرتيهما سابقاً، هو التشيلي بابلو نيرودا، فمن شاهدوا فيلم «ساعي البريد» الذي يروي جانباً من حياة الشاعر في منفاه بإيطاليا، يتذكرون ساعي البريد الشاب الذي يحمل في كل صباح رزمة من الرسائل إلى نيرودا، من قرائه وقارئاته من وطنه البعيد، قبل أن يفطن الشاب إلى أن من يحمل إليه البريد يومياً، هو شاعر كبير، وحامل «نوبل» أيضاً، فيطلب منه أن يُعلّمه كتابة الشعر، لأنه يريد كتابة قصيدة للفتاة التي يحبها.

أما الشاعر الثاني فهو التركي ناظم حكمت، الذي عاش، هو الآخر، منفياً عن وطنه طويلاً، وكانت موسكو زمن الحرب الباردة منفى له، وفي شهادة لزوجته، قالت إنه كان يذهب راجلاً، كل صباح، إلى مبنى البريد تسقطاً للرسائل الآتية إليه من وطنه، لتبعث الدفء في برد الروح الذي يجتاح المنفى، وفي صباح أحد أيام صيف عام 1963 خرج إلى مشواره اليومي نحو البريد، لكنه لم يعد. لقد سقط ميتاً في الشارع.

هذا كان في الماضي، في القرن العشرين. لم يكن هناك إنترنت، ولا «إيميل»، ولا «واتس أب»، وخلافه. كان زمن صندوق البريد الصغير الذي نفتحه ونمدّ اليد لنلتقط منه رسائل انتظرناها بشغف وشوق، والمخضرمون يتذكرون المشاعر المتضاربة التي تنتاب المرء في كل مرة يفتح فيها هذا الصندوق: البهجة الغامرة حين يستلم ما انتظره، والخيبة والإحباط حين لا يجد ما أعياه الشوق إليه.

لكن كما كُتب الكثير في وداع «كابينات» الهواتف العمومية في شوارع المدن المختلفة، وإلى حد كبير الهواتف الأرضية أيضاً، بعد أن انتفت الحاجة إليها أمام سطوة الحاسوب الصغير جداً الذي لا يفارق أيدينا، والمسمى ب«الموبايل»، فعلينا أيضاً أن نكتب الآن، أو قريباً جداً، مراثي في وداع صندوق البريد. حركة خفيفة جداً بأصابع اليد على شاشة «الموبايل» سترينا، في كل دقيقة أو ثانية، ما وصلنا من رسائل بمحتوياتها المختلفة.

لا شركات الاتصال، ولا البنوك، ولا جهات العمل، ولا الأصدقاء والأحبة والأقارب، بحاجة، بعد اليوم، لصندوق البريد ليرسلوا عبره الرسائل، وإذا تعلق الأمور بشحنات بريد تتطلب النقل فإن شركات التوصيل المختلفة تتكفل بالمهمة، أما صندوق البريد فهو ذاهب إلى مثواه الأخير، إن لم يكن قد ذهب فعلاً.

[email protected]