الرئيسية / أخر المستجدات / لماذا تقبر اللغة العربية في مؤتمراتنا الدولية؟

لماذا تقبر اللغة العربية في مؤتمراتنا الدولية؟

د. عبد العزيز محمد الدخيل (السعودية

ذهبت مدعوا «أكاديميا» إلى المؤتمر الاستثماري الدولي وكان الموضوع يتعلق بالذكاء الاصطناعي واستخداماته في التعليم والصحة وغيرها. كان التنظيم رائعا «والأمن منتشرا» لدرجة الخوف من الأمن. الجو غربي غربي بامتياز وإن كنت في الرياض. 

دخلت إلى ساحة الفندق بعد أن تركت سيارتي خارج الأسوار، فلا يسمح إلا لسيارات المشاركين أما المدعوون فإما الأقدام أو الباصات. فضلت المسير، ومشيت في حدائق الفندق الغناء الموصلة إلى بهو الفندق وقاعات المحاضرات، وصحبني شاب سعودي من الذين كانوا على الباب. كان الشاب يعتذر طيلة الوقت، قائلاً إنها أوامر لانستطيع إلا تنفيذها، أخجلني بحسن خلقه وأدبه، فقلت له: أيها الحبيب هذا إجراء أمني منطقي مقبول. أصر الشاب على مرافقتي حتى باب الفندق.

وفي طريقنا سألته: هل أنت طالب متبرع للعمل هنا؟

قال: لا، أنا موظف في شركة للعلاقات العامة موكل إليها إدارة شؤون المؤتمر.

تمنيت لو قال لي أنه طالب في كلية علمية أو تقنية تبرع للعمل في المؤتمر لزيادة الاطلاع والمعرفة. 

قفزت إلى مخيلتي – وهو يحدثني – صورة الطالب السعودي الذي لم يكمل دراسته الجامعية، أو إنه أكملها في مجالات معرفية لم تعد سوق العمل السعودية في حاجة لها. وربطت تلك الصورة الواقعية بذلك البرنامج التعيس الذي أهدر عقولا» كان يمكن بعث قدراتها – إنه برنامج السعودة.

هذا البرنامج كانت ولاتزال أهم أهدافه، إحلال الشاب العاطل الباحث عن عمل أيما وظيفة في سوق العمل، وإن كانت متواضعة الإنتاج والدخل. هذا الهدف الموسوم بقصر النظر، تسبب في إظهار مشكلة البطالة أمام صاحب القرار السياسي والاقتصادي وكأنها مشكلة لحظية عابرة، وليست مشكلة بنيوية جوهرية تتعلق ببناء القدرات العلمية والإدارية لرأس المال البشري السعودي الذي هو القاعدة الصلبة لمستقبل الأمة والاقتصاد السعودي، والوسيلة الناجعة لجعل مصدر قوة الاقتصاد السعودي وعموده الفقري هما إنتاجية المواطن وابداعه، وليس استخراج النفط وبيعه.

وصلت إلى باب الفندق فودعني الشاب، وأنا أقول في نفسي كان بالإمكان أن يكون عملك وإنتاجك أفضل من مرافق لو أخذ بيدك وسدت حاجتك وأعيد بناء قدراتك.

دلفت إلى بهو الفندق واستقبلتني رياح من بخور دخانه قائم يغلي وهو يحترق. غالي الأثمان عرفته برائحته وبدخانه الذي غشاني حتى خشيت أن يغمى علي. لاشك أن الميزانية المرصودة لهذا المؤتمر لا تحتاج إلى ممثل مالي يجيزها أو يأمر بأقل العروض سعرا”.

ومرة أخرى جاءني هذا الوسواس الاقتصادي الخناس متسائلا» عن الجدوى الاقتصادية، ولو طويلة الأمد من هذه المؤتمرات والفعاليات الدولية. أسأله مثلا: هل أرضنا، من بشر وأنظمة، جاهزة الآن لتوطين هذه البذور من التقنيات العالية والمشاريع العالمية؟ قبل هذا السؤال سؤال، هل أرضنا صالحة الآن لاستنبات الأصول التي تدفع بها هذه المؤتمرات الدوليه إلينا؟ هل من الأجدى والأنفع أن نبدأ بإعداد الإنسان علميا» وصحيا» مع تطوير الأنظمة والقوانين قبل بناء الأصول التى سنضطر الى الأجنبي ليشغلها ويصونها كما فعلنا سابقا»؟ وجدت نفسي أنزلق مع هذا العقل الناقد المشاغب إلى وديان متشعبة، فلم يكن عندي من بد إلا أن أتعوذ بالله من الوساوس والشك وأنزع عقلي الموسوس وألقيه جانبا»، ولو أنه قد قيل: الشك هو الطريق إلى اليقين.

أخذت مكاني حول المنصة المستديرة، وميزة استدارتها أنك لا تعرف بدايتها من نهايتها. وفجأة جاءتني شابة سعودية، بدأت بالسلام والتعريف بأنها من فريق المنظمين، ويسعدها أن تتلقى مني ومن غيري أي ملاحظات. لكنها استدركت تقول الأجواء في المؤتمرات الدولية فيها شيء من حرية الكلمة والنقد، لكني أظنها للأجنبي الزائر فقط. أما أنت فيمكن ان تكتب ملاحظاتك وترسلها إلى المسؤولين لينظروا فيها.

فجأة صرخت الموسيقى بضربات درامية عالية، إرتجفت منها طبلات الآذان وارتفعت معها دقات القلوب. اعتلت المنبر على المسرح المستدير سيدة غربية، أظنها أمريكية قالت بلغتها الانجليزية أنها ستصحبنا في هذه الفقرة لتقدم المتحدثين وتطرح عليهم أسئلة معدة لها. همهمت قليلا»، ألا يوجد سعودي أو سعودية لهذه المهمة السهلة، فأجابني من بجانبي قائلا: إنها معروفة في إدارتها للنقاشات ونحن نتعلم منها. لم أقتنع بقوله، فنتاجها كلام من كلام، ولدينا من لا تنقصهم الخبرة في الكلام.

لم أناقش من أجابني وقلت سأترك هذه الملاحظة لتلك الشابة السعودية جامعة الآراء. 

كان أول المتحدثين سعوديا»، فاستبشرت خيرا». تحدث الرجل وانتهى ولم ينطق بكلمة واحدة من لغة الضاد. قلت فلأنتظر إلى نهاية الحلقة لعل وعسى. تعاقب المتحدثون من عرب وعجم وكانت اللغة السائدة المتربعة على عرش هذا المؤتمر في هذا البهو العربي الجميل في العاصمة العربية الرياض هي اللغة الإنجليزية، مع العلم أن هناك ترجمة فورية للغتين الإنجليزية والصينية.

أحسست أن تجاهلنا للغتنا بل إهانتها وإسكات صوتها وإخماد روحها فيه تجن كبير عليها وعقوقا» من أهلها وأبنائها، إحساس أزعجني وآلمني. قفز الرأي المعارض ليقول لي: مشاعرك هذه قومية عاطفية وليست عملية واقعية. قلت: لماذا؟ قال: الأمر يا سيدي يتعلق بالاستثمار وبتقنيات عالية، والهدف هو التواصل بسهولة ويسر بين القادمين من الغرب والشرق وبيننا نحن السعوديين. وما دمنا نتكلم اللغة الإنجليزية ولو بشيء من اللكنة، فإن إقحام اللغة العربية ونحن لسنا ملمين بمفرداتها الفنية إن وجدت أساسا» أمر لا داعِ له.

أزعجني بشكل أكثر هذا العذر الذي هو أقبح من الفعل . 

قلت له ياسيدي : هناك أهداف صغرى وأهداف عظام في حياة كل أمة. اللغة العربية ياسيدي هي الحاضن الأساس لتاريخك وتاريخ أجدادك بكل أشكاله وألوانه، هذه اللغة الحاملة بمفرداتها وموسيقاها وصورها ومجازها ونثرها وشعرها، وأقوالها هي القاعدة الحاملة لهويتك.

هل تقدم استثماراتك ومؤتمراتك، على اللغة الحاضنة الحاملة لتاريخك وهويتك؟ الأمم تقاتل إن مست هويتها بسوء واللغة من صميم الهوية لأنها الناطقة باسمها والمعبرة عن مكوناتها .

المحافظة على اللغة حية فاعلة متطورة حداثية عالمية أدبية تقنية قضية وهدف قومي وجوهري تقع مسؤليته أولاً على الدولة الممثلة لآمال الأمة وطموحاتها تقيم البنى الأساسية والمناهج الدراسية والقواعد التنظيمية لهذه المهمة الوطنية. وثانياً على المجتمع وقياداته الثقافية والأدبية والتقنية ومؤسساته الجامعية والبحثية والمدنية في دعم تطوير اللغة والدفع باستخدامها في جميع المجالات.

لغتنا العربية إن لم نستخدمها ماتت كما يموت كل شيء لا يستخدم، إما موتاً مادياً أو معنوياً.

هذه النتيجة التى خرجت بها من ذلك المؤتمر.

وأنهيت حديثي إلى ذلك المشاغب قائلا: إنه الفرق بين الأهداف الصغار وبين الأهداف الوطنية الكبار، بين الأهداف الآنية والأهداف الاستراتيجية، إن تغلبت الأولى على الثانية ضيعنا الطريق وقد ينتهي الزاد قبل أن نصل.

اترك تعليقاً