الرئيسية / أخر المستجدات / مسلم رئيسًا لوزراء اسكتلندا

مسلم رئيسًا لوزراء اسكتلندا

محمد صفي الدين خربوش/

أثار انتخاب الحزب الحاكم في اسكتلندا المواطن البريطانى المسلم ذا الأصول الباكستانية، حمزة يوسف، رئيسًا لوزراء اسكتلندا، موجةً من الزهْو لدى الكثيرين من المسلمين، ولاسيما العرب. وطفق البعض يُعيد الحديث عن «الغزو» الإسلامى لأوروبا، وأن باكستان، التي كانت جزءًا من الهند، دُرَّة الإمبراطورية البريطانية، تتقدَّم لتسيطر على الإمبراطورية، التي لم تكن الشمس تغرب يومًا عنها. وتذكَّر هؤلاء عمدة لندن المسلم ذا الأصول الباكستانية أيضًا وغيره من المسلمين من أعضاء النخبة السياسية البريطانية في حزبى المحافظين والعمال أو في غيرهما من الأحزاب السياسية البريطانية. وكان لدى البعض خيال أوسع ليتحدث عن أن ابن باكستان سوف يقود اسكتلندا إلى الانفصال عن المملكة المتحدة انتقامًا من الدور البريطانى في انفصال باكستان عن الهند.

ويُثير انتخاب رئيس وزراء اسكتلندا الجديد والتعليقات على انتخابه في المنطقة العربية عددًا من الملاحظات، فمن المؤكَّد أن السيد حمزة يوسف قد انتُخب رئيسًا للحزب القومى الاسكتلندى ورئيسًا لوزراء اسكتلندا باعتباره مواطنًا بريطانيًّا، يثق أعضاء حزبه في قدرته على قيادة الحزب والإقليم خلال الحقبة القادمة، بعد الاستقالة المفاجئة لرئيسة الحزب السابقة. ولا تعارض مطلقًا بين كونه مسلمًا وذا أصول باكستانية وبين انتمائه إلى إقليم اسكتلندا والمملكة المتحدة. وبالطبع، لم يمنعه أحد من قبل، ولن يمنعه أحد في المستقبل من ممارسة شعائر دينه الإسلامى، لا هو ولا باقى المواطنين البريطانيين المسلمين، ولا المقيمين على الأراضى البريطانية من المسلمين أو غير المسلمين.

وليس ثمة مفاجأة على الإطلاق في انتخاب رئيس وزراء اسكتلندا ولا عمدة لندن المُسلِمَيْن من ذوى الأصول الباكستانية، ولا رئيس وزراء المملكة المتحدة هندوسى الديانة والمنحدر من أصول هندية. وتثبت تلك التعليقات التي غلب عليها في منطقتنا العربية الاحتفاء والتهليل، والتشفى أحيانًا، عدم الاقتناع بفكرة الدولة الوطنية التي تضم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن الانتماءات الدينية والطائفية أو العرقية أو غيرها.

يعارض كثير من العرب، من النخبة والجماهير، تولى أحد المواطنين المنتمين إلى إحدى الأقليات ليس فقط المنصب الأعلى في الدولة، بل مناصب أقل أهمية مثل تولى إحدى الحقائب الوزارية المهمة. ولا يبدى الكثيرون ارتياحًا في حالة تولى أحد المواطنين الأكْفاء من الأقليات حقائب وزارية مثل الخارجية أو المالية. ويتم توزيع المناصب السياسية الأساسية في بعض النظم العربية على الطوائف سواءً أكان مرد هذا إلى نص رسمى، مثل لبنان، أو بغير نص مثلما هو الحال في العراق منذ عام 2003.

وفى باكستان، التي ينحدر منها عمدة لندن ورئيس حكومة اسكتلندا، تم إعدام ذوالفقار على بوتو واغتيال ابنته بناظير بوتو، بالرغم من، أو ربما بسبب الشعبية الجارفة التي حظى بها كل منهما؛ ويعيش رئيس وزراء أسبق في المنفى، وتتم ملاحقة رئيس الوزراء المُطاح به مؤخرًا، وثمة خشية من تعرضه للاغتيال. وبالرغم من كل سَوْءات الاستعمار البريطانى، لم يكن لبريطانيا دور في استقلال باكستان، بل كانت هذه رغبة معظم الزعماء الهنود المسلمين عشية الاستقلال، وفى مقدمتهم محمد على جناح، القائد الأعظم ومُؤسِّس باكستان، بعد الخلاف مع حلفائهم الهندوس في حزب المؤتمر الهندى عشية استقلال شبه القارة الهندية. وبينما كان تأسيس باكستان، الهدف الذي سعى جناح من أجل تحقيقه، قائمًا على إنشاء دولة مستقلة لمسلمى الهند، لم تمنع وحدة الدين من اندلاع حرب طاحنة بين كل باكستان الغربية (باكستان الحالية) من ناحية والهند وباكستان الشرقية (بنجلاديش لاحقًا) من الناحية الأخرى، وانتهت الحرب عام 1971 بإعلان استقلال بنجلاديش إثر انفصالها عن باكستان.

ولا ترتبط فكرة الانفصال عن المملكة المتحدة برئيس وزراء اسكتلندا الجديد، بل يتبنَّى الحزب القومى الاسكتلندى تلك الفكرة، ويعبِّر اسمه عن ذلك التوجه. وكان الحزب قد أقدم على تنظيم استفتاء على الانفصال عام 2014، ولم ينجح مؤيِّدو الانفصال في الحصول على الأغلبية، حيث رفض خمسة وخمسون بالمائة من المشاركين في الاستفتاء الاستقلال عن المملكة المتحدة، واضطر زعيم الحزب القومى ورئيس وزراء اسكتلندا إلى الاستقالة بعد فشل الاستفتاء. وعادت فكرة الانفصال مرة أخرى بعد الاستفتاء على بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبى، حيث رفضت الأغلبية في اسكتلندا الخروج (62 بالمائة)، في حين وافقت الأغلبية في المملكة المتحدة (52 بالمائة) على الخروج من الاتحاد الأوروبى. وسَعَت زعيمة الحزب القومى ورئيسة وزراء اسكتلندا السابقة إلى تنظيم استفتاء جديد، لكن المحكمة العليا في المملكة المتحدة قضت عام 2022 بعدم أحقية اسكتلندا في تنظيم استفتاء على الاستقلال دون موافقة مسبقة من الحكومة البريطانية.

من مفارقات منطقتنا العربية المثيرة للشفقة أن نتغافل عن فشل بعض دولنا في انتخاب رئيس جمهورية لعدة أشهر، وربما سنوات، أو في تشكيل حكومة بعد انتخابات برلمانية، أو في التوافق على قواعد لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، وعن معارضة شغل مواطنين ذوى كفاءة مناصب سياسية أو عسكرية أو أمنية بسبب انتماءاتهم الدينية أو الطائفية أو العرقية؛ ثم نجد مَن لديهم الشجاعة والجرأة للتهليل لانتخاب مواطن بريطانى مسلم زعيمًا للحزب القومى الاسكتلندى وتكليفه برئاسة الوزراء في اسكتلندا. ولم يلتفت المُهلِّلون إلى أن رئيس وزراء اسكتلندا أقسم على الولاء لجلالة الملكة عندما انتُخب نائبًا، للمرة الأولى منذ عدة سنوات، وتمَّ تعيينه بأمر ملكى، وأدَّى القَسَم أمام المحكمة العليا في اسكتلندا، باعتباره مواطنًا بريطانيًّا مثل باقى المواطنين البريطانيين في إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وليس كمواطن باكستانى في إقليم السند أو البنجاب.