الرئيسية / أخر المستجدات / منوال تنموي جديد يفرض نفسه

منوال تنموي جديد يفرض نفسه

د عبد الإله بلقزيز/

إلى ما قبل أربعة عقود، في حدود خواتيم عقد السبعينات من القرن الماضي، كان يمكن لأيّ بلدٍ من بلدان الجنوب – وفي جملتها بلدان الوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ – أن يُلْتَمَسَ له بعضُ العُذْر في انشداده إلى، وانشداهه بالنّموذج الغربيّ في التّنمية والتّقدّم؛ إذ ما كان حينها من نموذجٍ آخر يُغري بالاحتذاء من خارج الغرب. حتى اليابان نفسها – وهي بلدٌ آسيوي – نُظِر إليها، طويلاً، بوصفها جزءاً من منظومة الغرب لنجاحها في محاكاة نموذجه. وإلى غياب مثل ذلك النّموذج خارج الغرب، إبّانئذ، كان يشجّع بلدانَ الجنوب على الاقتداء بالغرب مَديدُ علاقاتها وعلاقات نخبها السّياسيّة والاقتصاديّة بالمجتمعات الأوروبيّة، والتي مناهلُها (أعني العلاقات) من مواريث الحقبة الاستعماريّة التي خلَّفت آثارها عميقاً في البنيات والذّهنيّات داخل المستعمَرات؛ الآثارُ عينُها التي أعادت دولة الاستقلال إنتاجها في كلّ مجتمع من تلك المجتمعات بعد جلاء المحتلّ عن أراضيها. هكذا ظلّ المنوال الغربيّ (الأوروبي- الأمريكيّ) في التّنمية والتّقدّم على قدْرٍ عالٍ من الجاذبيّة والإغراء في مجتمعات الجنوب من تلك التي لم تُصَمِّم دولها نموذجَها التّنمويّ على المثال السّوفييتيّ – الأوروبيّ الشّرقيّ (في زمن الحرب الباردة).

الأنْكى من هذا الانشداه الجنوبيّ بالمنوال التّنمويّ الغربيّ – وقد تكون له أسبابُ نزولٍ وإنْ لم يكن مبرَّراً البتّة – ما رَسَخَ من معتقدٍ في أذهان نخبِ مجتمعاتِ الجنوب بأنّه المنوال الوحيد الممكن (في مقابل معتقَدٍ نظيرٍ لدى نخبٍ شيوعيّة ويساريّة بالمنوال الاشتراكي بما هو الوحيد البديل للأوّل). وحين يتعلَّق الأمر بمعتقداتٍ ويقينيّات تتلبَّس الوعيَ، يَبْطُل الحديث – عندها – عن خياراتٍ في البناء التّنموي حَمَلَتْ عليها الضّرورات، ليُصبح للمشكلة علاقة بتبعيّة فكريّة تشدّ نخب الأطراف إلى الميتروپولات، وتبرِّر لهم حالَ التّبعيّة الاقتصاديّة القائمة بوصفها حالاً انتقاليّة نحو تقدّمٍ سيتولّد من مزيدٍ من الاندماج في النّظام الاقتصاديّ العالميّ السّائد: النّظام الرّأسماليّ الغربيّ.

ولقد عزّزتِ النّخبُ اللّيبراليّة في بلدان الجنوب موقعَها، ووطَّدَتْ موقفَها المُشايِع للمنوال التّنمويّ الغربيّ – في عقديْ الثّمانينات والتّسعينات – في مواجهة نخبٍ اشتراكيّة يساريّة استقرّ عندها الاعتقاد، طويلاً، باستحالة تحقيق التّقدّم في بلدان الجنوب من طريق التّنميّة الرّأسماليّة، بدعوى أنّها تنميةٌ تقود – حكماً – إلى إعادة إنتاج علاقات تبعيّةِ الأطراف الجنوبيّة للميتروپولات الرّأسماليّة الغربيّة. وهو اعتقادٌ أخذها إلى القطع بأنّ طريق التّقدّم الوحيد المفتوح أمام بلدان «العالم الثّالث» هو التّحرر من روابط التّبعيّة، وكسْر علاقات الإنتاج الرّأسماليّة – واختيار سبيل البناء الاشتراكيّ.

ولم يكن الاتّحاد السّوفييتيّ و«المعسكر الاشتراكيّ» قد انفرطَ وانْهار حين بدأ الاختلال يدبّ في هذا التّقدير اليساريّ؛ فقد كانت مراكز رأسماليّة جديدة تنشأ في آسيا (كوريا الجنوبيّة، هونغ كونغ، تايوان، ماليزيا، سنغافورة، إندونيسيا)، قبل أن تبدأ – مع بداية القرن الجديد – عمليّة صعود مراكز أخرى جديدة أكبر مثل الهند والبرازيل والمكسيك… إلخ.

غير أنّ النّخب هذه لم تكن لتنتبه، كثيراً، إلى هذه النّماذج التّنمويّة الرّأسماليّة في آسيا – الكوريّة والتّايوانيّة والماليزيّة…- فتُكِبّ على دراسة تجاربها والاستفادةِ من أسباب نجاحها، بل ما نجح بريقُ هذه النّماذج في صرْف انتباه النّخب إيّاها عن مثالها التّنمويّ الغربيّ المألوف والمَدْروج عليه، بل والمقدّس!؛ فقد استمرّت جاذبيّة الأخير غلاّبةً. ربّما كان ذلك بتأثير العادة ورسوخ المعتقد اللّيبراليّ القائل بمرجعيّةِ التّجربة الغربيّة؛ وربّما لأنّ النّماذج التّنمويّة الآسيويّة الجديدة بدت، لهذه النّخب اللّيبراليّة، مجسَّمات مصغَّرَةً لنموذجٍ مرجعيّ (في الغرب)، ولا تعدو فائدتها أن تقوم دليلاً على هذا الإمكان التّنمويّ الذي كان موضوعَ مجادَلَةٍ مع الخصوم اليساريّين، وبالتّالي، فالأجدى أن يُرْجَع إلى المَرْجع (الغرب) لا إلى من نسج على منواله. لكنّ المهمّ في الموضوع أنّ عقدة «المُعَلّم» الغربيّ لم تبارِح الوعي اللّيبراليّ في مجتمعات الجنوب!

المفاجأة الكبرى في العالم – خاصّةً بعد انصرام حقبة الحرب الباردة – هي صعود الصّين المدويّ، وتحقيقُها في بضعة عقود ما حقّقه الغرب خلال قرون مديدة. وهي فعلتْ ما فعلتْه من صناعةٍ للطّفرة (التي حوّلتْها إلى ثاني أكبر قوّة اقتصاديّة في العالم)، من دون أن تكون بلداً من المركز الغربيّ، بل من حيث هي بلد من بلدان الجنوب. وهذا من غير شكّ ما سيجعل نموذجها التّنمويّ مرجعياً في المستقبل القريب، يُدْرس، ويستفاد من خبرته، ويُبْنى عليه، فالصّين دولةٌ عظمى لا دولة صغرى، مثل كوريا وماليزيا، وسلطانُها الاقتصاديّ والتّكنولوجيّ يخترق كلّ بيتٍ في العالم، وبالتّالي، ستفرض منوالَها الاقتصاديّ والثقافيّ نموذجاً يُحاكَى في العالم.

[email protected]