الرئيسية / أخر المستجدات / نحو ثقافة سياسية عربية متجددة

نحو ثقافة سياسية عربية متجددة

د علي محمد فخرو/

فى لحظة الضياع والأمراض المجتمعية الكثيرة التى تعيشها الآن مجتمعات العالم، وعلى الأخص مجتمعات القيادة الحضارية التاريخية الكلاسيكية فى دول الغرب الأوروبية والأنجلوسكسونية، بدأت تظهر إشكالية ثقافية معقدة، هى إشكالية التثقيف السياسى لأجيال المستقبل. وتكثر الكتابات والمناقشات هناك حول البدائل الثقافية السياسية لأجيالهم الشابة بعد أن تراجعت الأيديولوجيات السياسية السابقة، والتى انتمت فى أغلبها فى الماضى إلى أحد البديلين؛ تيار اليسار أو اليمين.

لقد كانت فى الماضى تعريفات ومبادئ وأساليب عمل التيارين ناضجة وواضحة ومتفقا عليها. وكانت الحكومات والأحزاب والحياة السياسية فى غالبيتها الساحقة تصنف بخصائص أحد التيارين.

أما اليوم، وبعد أن ارتفع صوت شعار التعددية الثقافية فى كل مكان، ما عاد الحديث يقتصر على الانتماء إلى أحد التيارين فقط وإنما أيضا، وبنفس القوة، الانتماء إلى ثقافات سياسية فرعية من مثل ثقافة الخضر الذين يهتمون أساسا بالبيئة أو الثقافة النسوية الذين يهمهم فى الدرجة الأولى قضايات المرأة إلخ… من عشرات الثقافات الفرعية. وهذه الثقافات لا ترضى أن تكون جزءا منضويا تحت أحد التيارين الكبيرين وإنما تريد أن تكون لها الأولوية والاستقلالية والخصوصية الذاتية.

هذا المنحى الجديد فى الثقافة السياسية، واستقلاله على الأخص عن الأحزاب الكلاسيكية العقائدية الشاملة، ستكون له انعكاسات سلبية كثيرة على الممارسات المجتمعية السياسية مستقبلا، وستكون له أيضا آثار سلبية على التكوين الثقافى العام للفرد. ولعل بدايات تلك الانتكاسات تشاهد وتسمع الآن فى الوسائل الإعلامية الكثيرة. لقد ذهبت تلك الأيام الذى كان الإعلام يهتم بالجانب الفكرى والقيمى فى كل موضوع مجتمعى يطرحه ويناقشه سواء مع مفكر أو مسئول أو فرد عادى، إذ تتركز النقاشات فى أيامنا على الأحداث العابرة وأبطالها دون الالتفات للجوانب الفكرية والقيمية الفلسفية التى تقف وراء تلك الأحداث.

ويزداد الوضع خطورة بعد أن أصبحت لوسائل التواصل الاجتماعى مكانة شبه مقدسة فى حياة الشابات والشباب وبعد أن نجحت تلك الوسائل فى تهميش الوسائل الإعلامية الكلاسيكية.

وبالطبع فإن كل ما ذكرنا سيكون ظاهرة عولمية فى عالم يتجه إلى أن يكون شبه قرية واحدة، وأن يكون متماثلا فى سياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وهنا بيت القصيد، إذ بالطبع ستكون له آثاره السلبية على شباب وشابات الوطن العربى، هذا الوطن الذى ضعفت إرادته الحضارية الذاتية، والذى أصبح مستباحا من قبل قوى كثيرة تساهم فى ذلك الضعف من أجل أطماعها وعداواتها وهلوساتها التى لا تقف عند حد.

فى هذا الوطن تميزت مسيرة التثقيف السياسية فى الماضى للشابات والشباب بأنها كانت تبدأ فى المدرسة الثانوية أو الجامعة التى كانت تعج وتموج بنشاطات ومواقف ومناقشات سياسية لا تهدأ، لتنتقل بعد التخرج إلى ساحات الأحزاب السياسية حيث يتعمق التثقيف السياسى بشكل أكبر ويرتبط بأفعال نضالية تقويه وتحسنه. لكن فى أيامنا التى نعيش، وبسبب إشكالات الأجواء الثقافية السياسية التى وصفنا تناميها فى العالم كله مؤخرا، ما عادت المدرسة الثانوية ولا الجامعة ولا الأحزاب قادرة على أن تلعب أدوارها السابقة فى تثقيف الشباب والشابات بثقافة فكرية سياسية عميقة ومتوازنة وشاملة ومرتبطة بالتزامات عضوية نحو مجتمعاتها، خصوصا بعد أن أصبحت محل مراقبة مشددة من قبل قوى متعددة.

من هنا أهمية ما نود طرحه من أسئلة وإجابات حول هذا الموضوع برمته بالنسبة لشباب وشابات الأمة وبالنسبة للمسئوليات التى يجب أن تضطلع بها الأحزاب والمؤسسات التعليمية العالية على الأخص ووسائل الإعلام.

فإذا كان الغرب المتقدم القوى الواثق من قدراته قد أصبح يفتش عن حلول للضعف الثقافى السياسى الالتزامى الذى أصاب شبابه وشاباته، فأحر بنا فى هذا الوطن أن نقوم بأكثر من ذلك. هذا إذا كنا نريد للشابات والشباب أن يلعبوا أدوارا نضالية وإصلاحية فى مجتمعاتهم وأن يخرجوا من التّيه الذى يعيشون فيه.

ومن البداية نحذر من أن تكون محاولتنا، سواء من قبل مفكرينا ومثقفينا أو من قبل قيادات حياتنا السياسية العربية، محاولة تقليد لما يفعله الغرب بالذات. ذلك أن أولوياتنا وطبيعة هويتنا العروبية التاريخية واندماج الثقافة الإسلامية فى كل مرافق الحياة العربية يحتمون بأن تكون المحاولة العربية إبداعية ذاتية مستقلة، لها أولوياتها ومنهجيتها وخصوصية قواها التى ستقوم بتلك المحاولة.

ومن البداية نأمل أن يكون موضوعا يناقشه الجميع مهما كانت خلفياتهم الفلسفية والفكرية والقيمية. إن الخروج من مستجدات المأزق الثقافى السياسى العربى الحالى سيكون فى صالح الجميع. وكل ما يرجوه الإنسان هو أن لا يقف أحد أو تقف أية جهة فى وجه المناقشات الموضوعية الصادقة باسم أى شعار تثبيطى مزيف أصبح يملأ الأرض العربية حاليا مع الأسف.