الرئيسية / أخر المستجدات / هزيمة المنتصر

هزيمة المنتصر

أحمد المرزوقي/

يستعرضون قتلهم فى كل لحظة ويدونون تلك اللحظات خشية أن لا تنال «ترند» على وسائل التواصل أو لا تلتقطها إحدى المحطات العالمية لتنشرها. يصورون لحظة اقتحام المدن والبلدات والشوارع والأحياء والبيوت بيتا بيتا وغرفة غرفة. كما يفعلون الأمر ذاته فى أثناء قتلهم لما يطلقون عليهم أسماء مختلفة وهى فى مجملها تعبر عن معنى واحد «بشر أقل من البشر» أو بنى آدمين أقل من البنى آدمين.

هى المرة الأولى ربما منذ أن اخترع التلفزيون أو حتى منذ آلة التصوير البدائية، المرة الأولى التى يدون فيها القاتل ضحيته أو المجرم جريمته بكل تفاصيلها منذ أن يقتحم ويقصف ويقتل حتى سرقة لعب الأطفال والسخرية من الموتى وهم مجثوون على وجوههم أو فوق بعضهم البعض أو تحت دمار بيوتهم أو بيوت غيرهم.

هى المرة الأولى، فلم يقم هتلر بتصوير المحرقة ولا مطاردات اليهود وقتلهم بل قام كثر من الناجين بتدوين قصصهم حتى اشتهروا بأسمائهم الأولى وحولوها إلى سيناريوهات لروايات وأفلام هوليوودية نالت جوائز طبعا، أليست هى المحرقة؟ وألا تدون فظاعة ما قام به النازيون؟

لكنهم اليوم فى غزة وفى كل بقاع فلسطين يجاهرون بوحشيتهم وقبحهم وحقدهم المترسخ عبر مناهج تعليم وثقافة عامة غير محصورة فى مدارسهم وجامعاتهم، بل تمتد لتصل إلى مدارس وجامعات وكليات فى أوروبا وأمريكا وكثير من دولنا أيضا!

هم يرسلون الصور مشهدا خلف مشهد، وضحكات السخرية ترافق رشقات الدم، وآهات أوجاع أهلنا فى فلسطين تأتى معها، ترافقها ولكن لا حياة لكل إعلامهم «العظيم»، إعلامهم غير المنحاز أبدا إلا لرواية المستعمر المغتصب وإلا لما كنا نرى مثل هذه المشاهد المرعبة التى يصورها جنود الاحتلال إما بهواتفهم الذكية أو بالكاميرات المرافقة لكل تلك المعدات العسكرية شديدة التطور والتعقيد! كل آلة الحرب تأتى فى صور هدايا لا تتوقف من قبل أمريكا وألمانيا وغيرهما من الدول الأوروبية؛ أما الطعام والشراب وغيره فتركوه على الآخرين من حلفائهم المحليين يتكفلون به عبر جسور برية هنا أو موانئ هناك أو حتى لنلقى ببضعة صناديق لنطعمهم علنا، نطفئ تلك الشعلة التى بدأت شرارة تصورها البعض أنها ستنطفئ سريعا أو ربما تموت بفعل الزمن أو التعود على صور الموت، إلا أنها امتدت لتعبر الحدود والوديان والسهول وتشعل الشوارع بصراخ يقول «من النهر إلى البحر فلسطين حرة».

يستمرون هم فى أخذ الصور وتدوين مقاطع فيديو فى غرفة لطفلة فلسطينية، بل هى غرف لأطفال فلسطين كل منها تحكى قصصا وروايات لذكريات، وهنا بقايا لعبة أو ربما كرة قدم. يقوم الجنود بتصوير اقتحامهم لكل غرف الفلسطينيين والفلسطينيات وبيوتهم، لو لم يكونوا هم من يفعلون ذلك لقيل أن هؤلاء «حثالة» البشر ولكنهم صهاينة بل جنود الصهاينة لذلك فالعالم المتحضر يبقى يتفرج على المجرم وهو يدون جريمته ورغم ذلك لا يخجل ذاك المذيع العريق من طرح السؤال الأول المكرر «هل تدين ما قامت به حماس فى 7 أكتوبر؟؟»، يطرح السؤال وكأن كل هذا الكم من تدوين أحداث الجريمة لم يمر عليه ولم يلق اهتمامه، ولم يثر حتى ما تبقى من إنسانية تحت جلده!

هم يدونون إبادتهم الجماعية ويسترسلون فى شغل العالم «المتحضر» فى تعريف الإبادة أو حتى جرائم الحرب التى عرفتها وبوضوح كل الاتفاقيات الدولية التى تبرأ منها ذاك المدرس الملتزم بتعليم روح النص القانونى الوطنى والعالمى. ألم يعتذر كثر من أنهم ما علموا طلابهم أن هناك عدالة كونية وأن القانون والاتفاقيات الدولية هى ملاذ الضعفاء والمذبوحين على جراح أوطانهم وأرضهم؟

هى المرة الأولى التى يدون فيها المستعمر تفاصيل قتله وبشاعة استيطانه وسرقته للأرض وما عليها، ورغم ذلك يبقى العالم المتحضر جدا يطرح الأسئلة البلهاء ــ ربما بالنسبة له ــ هو لأنه اعتاد أن يطرحها وتعود على أن كل العالم جنوبا قد احترف الصمت والإصغاء له.. ها هو العالم جنوبا خارج إطار «الرجل الأبيض» يرفض كل رواياته بعد 7 أكتوبر ويقول سندينكم يوما بصوركم أنتم ورواياتكم وليس ــ كما تفعلون أنتم فيما يتعلق بالهولوكوست أو المحرقة ــ التى يحملها كثر ليبرروا بها فعلهم الذى زاد وفاق بشاعة وكراهية وحقدا.. هم يدونون جرائمهم فليتذكر العالم.

وقد أدهشني، أنا المتابع لما يجري في قنوات الإعلام الفرنسي، ما شاهدته من فيض الحوارات والاستجوابات التي يتحامل فيها كبار الصحافيين على الشعب الفلسطيني وعلى مقاومته، وفي طليعتها حركة حماس. هو تحاملٌ لم أرَ نظيراً لفحشه وظلمه في الإعلام أبداً، إذ إنّ كلّ تلك القيم الإنسانية الجميلة التي كانت تتبجح بها فرنسا، من حقوق للإنسان وحرّية للتعبير وعدل وإخاء ومساواة، سقطت وتبدّدت كما يسقط ويتبدّد منديل ورقي في الماء، فأوّل ما يشدّ النظر ويُطرح في كلّ لقاء، مع الضيوف الذين تم اختيارهم على المقاس، التأكيد مسبقاً وبإصرار شديد على أنّ “حماس” حركة “إرهابية متوحّشة دمويّة” تعيش على قتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتستعمل المدنيين العزّل كأذرع بشرية لبلوغ مراميها. لذا، فمن حقّ إسرائيل الدولة “الديمقراطية” و”المتحضّرة” أن تسعى إلى تنحيتها من فوق التراب خدمةً للبشرية جمعاء. ولكن رغم احترافية ذاك الإعلام المتحيّز والمشبوه، ورغم قدرته الخارقة على التزوير والتضليل ورصف الأكاذيب وتزويق المُنكر، فإنّ الحقيقة أخذت تتجلى للرأي العام العالمي واضحة كفلق الصبح، فعددٌ لا يستهان به من المواطنين والصحافيين الفرنسيين أخذوا يعيدون النظر في موالاتهم الاحتلال الإسرائيلي، بعدما طارت عن أعينهم غشاوة الدعاية الكاسحة، واستحكمت لديهم القناعة ببهتانها وبإفكها العظيمين.

وفي غمرة هذا اللغط المثير للتقزّز والغثيان، انتفض مُتدخّل فرنسي على المباشر، وأخذ مجالسيه على حين غِرَّةٍ حين فاجأهم بهذا الكلام المُفحِم والصادم: “أيها السادة، كفى، تعني كفى… منذ أن رأيتُ النور وأنا لا أسمع عن إسرائيل إلا الخير، ولا عن العرب إلا الشر، حتى ترسّخ في ذهني أن الغرب وحده مَنْ يحمل لواء الحضارة ومبادئ الخير والإنسانية والفضيلة، وأنّ ما عداه هم مجرّد حشرات بشرية لا حقّ لها في العيش على هذه البسيطة. ولكن السيل بلغ اليوم الزُّبَى لمّا صارت الحقيقة ساطعة تفقأُ حتى أعين العميان. لهذا، فلنتسلّح بشيء من الشجاعة والإنصاف، ولنسمّ الأشياء بمسمّياتها من دون وجل ولا تردّد، كي نقول بكلّ صراحة إنّ إسرائيل هي كيان إرهابي غاصب ومحتل، وما تقوم به أمام أنظار العالم المتفرّج هي حرب إبادة مخزية لم يعرف العالم لبشاعتها مثيلاً”. وتابع المتحدّث: “لو أصابها (إسرائيل) عُشْر ما أصاب الفلسطينيين من تخريب وتقتيل، لكنا قد أحيينا الحروب الصليبية ولاندفعنا لاجتياح الشرق الأوسط بكلّ ما نملكه من أسلحة دمار شامل”. الوعي بالحقيقة أخذ يتنامى يوماً بعد آخر، ويكتشف العالم بأسره وجه إسرائيل البشع.

ويكفي من باب الإيجاز فقط، أن نقتبس غيضاً من فيض، مما جاء على ألسنة بعض الشخصيات السياسية الأوروبية المرموقة وبعض الإعلاميين السويسريين والبلجيكيين والفرنسيين. فقد صدر أخيراً كتاب من حجم كبير أحدث ضجة كبرى، سميّ بـ “طوفان الأقصى.. هزيمة المنتصر” للكاتب جاك بو، وهو عقيد سويسري متقاعد عمل في أجهزة استخبارات بلده قبل أن يتولى مهامَّ كبيرةً في الأمم المتّحدة. وفي إحدى المحاضرات التي دُعي إليها، صرّح الكاتب إنه لا يميل لا إلى إسرائيل ولا إلى العرب، وإنّما يقوم بعمله الاستخباراتي الصرف، محاولاً بفضل ما جمعه من وثائق لا يرقى إليها خيط من الشك، وجُلّها يأتي من إسرائيل نفسها، أن يقدّم لأصحاب القرار من جهة، وللقرّاء من جهة أخرى، الحقيقة عارية كما هي. وأوّل ما بدأ به هو التركيز على أنّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يبتدئ من 7 أكتوبر كما يوهم بذلك الإعلام الغربي، وإنّما منذ الاحتلال الصهيوني لأرض هي ليست أرضه. لذلك يرى أنّ عملية طوفان الأقصى مقاومة بحتة لا يجوز تسميتها بالإرهابية ما دامت تندرج في سلسلة العمليات التي يقوم بها شعب يكافح لاسترجاع أرضه المغتصبة. وإذا كان نتنياهو، يقول الكاتب، قد نعت الفلسطينيين بحيوانات بشرية فماذا نسميه هو الذي سحق غزّة بما فيها من عمران وبشر؟ ويقول الكاتب متعجّباً: “كيف للحيوانات البشرية أن يكون لها من الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية ما يجعلها تحرص على حسن معاملة رهائنها بشهادة الرهائن أنفسهم أمام الإعلام المرئي والمسموع”. ويؤكّد أنّه إذا كانت إسرائيل قد نجحت في تخريب غزّة في إطار حرب غير متكافئة صمدت فيها “حماس” صموداً خرافياً أمام إسرائيل، ومن يقف بجنبها من دول عظمى وأخرى عربية، فإنّها “خسرت سمعتها خسراناً مبيناً لا يمكن بعده أن ترفع رأسها أمام المجتمع الدولي إلا خاسئاً حسيراً”.

وبغضّ النظر عن هذا الكاتب الموضوعي والنزيه، فإنّ هناك صحافيين آخرين، وشخصيات سياسية وثقافية وازنة أخرى، أمثال الوزير الأول الفرنسي الأسبق ووزير الخارجية، دومينيك دو فيلبان، ورئيس “فرنسا المتمرّدة”، جان لوك ميلانشون المرشّح لخوض الانتخابات الفرنسية، هم مَنْ ينقذون حقاً ماء وجه فرنسا. فهل نشهد بداية النهاية للكيان الصهيوني الغاشم؟