الرئيسية / أخر المستجدات / هل من طريق للجم آلة الدمار؟

هل من طريق للجم آلة الدمار؟

نادية حرحش*/

وسط كل ما يجري من دمار في غزة، والذي من الواضح أنّ النية تتجه لأن يكون شاملاً وطويل المدى، تزداد المآسي من إزهاق الأرواح ودمار غير مسبوق وحرمان من أبسط مقوّمات الحياة البشريّة. ربّما حان الوقت ان نتيقن أننا لسنا “مثلهم”. لن تنفع شعارات الإنسانيّة، ولن يساعدنا الاستجداء والاسترحام، فالعالم لا يرانا بنفس العدسة التي يراهم بها.

هناك “نحن” و”هم”.

هم المظلومون بسبب عنصرية الشعوب الآريّة تجاههم. ومن خلالهم يغالي الغرب في ممارسة صحوة الضمير إزاء فشله الأخلاقي وغياب إنسانيته.

إنّ مذابح البشر للبشر لا تحسب الا هكذا، وربما حان الوقت أن نتوقف عن التحليل.

ما رأيناه في الأسبوعين الأخيرين لا يترك مجالاً لأي شك أين يقف الغرب الامبريالي من هذه القضيّة. إسرائيل ليست مجرد كيان وجد لخدمة مصالح الغرب، بل هناك ما هو أبعد من ذلك بكثير. هناك ما هو بالفعل عقائدي مغروس في وجدان الغرب تجاه إسرائيل. والا كيف يمكن ان نفسر هذه الفزعة تجاه ما حصل.

بالتأكيد ان للإعلام وتوظيفه دوراً كبيراً. إسرائيل استفاقت يوم ٧ أكتوبر على واقع صادم لم تشهد مثيلاً له منذ نشأتها. وصدمة ما حدث لا تزال اثارها كأثر جلد السوط على الظهر، دامية، حارقة، مؤلمة.

إسرائيل، ذلك “المكان الآمن لليهود” سقطت دفاعاتها تماماَ أمام سجن بشري محكم الاغلاق والدفاعات. كيف اختفت الدولة العميقة والمُحكمة والعسكرية والقوية لكل هذه الساعات وتركت “السجناء” طلقاء؟ لا أشك ان الشهور القادمة ستكشف الكثير مما يغطيه رماد هذا الانفجار الكبير.

ربما احتاجت هذه الدولة بكل أركانها الحربية والعسكرية والأمنية والسياسية ان تغطي على هذا الفشل بدمار آخر شامل بالفعل. كيف سيخرج نتانياهو واركانه من هذا الا بحرب تعمي الابصار وتدمي القلوب؟ كيف سيسيطر على توجيه الرأي العام الا بفتح جروح الشعب من خوف ورعب وترهيب غُرس في جينات كل يهودي منذ الهولوكوست؟

حرب الإعلام والإعلام المضاد هي الحرب الحقيقية التي يقودها نتانياهو الآن. حرب السيطرة على رواية الإرهاب الفلسطيني ووحشيته. نجح في إقناع العالم بأن حشر ملايين البشر وحصارهم كان بديهيا لأنهم بالأصل “وحوش بشرية”. صارت حرب نتانياهو هي الحرب الصليبية الجديدة ضد همجية الشّرق. حرب تطهير “عرق” أبيض ضد وحشية الشرق الأزلية. حرب حضارة الغرب أمام تخلف الشرق.

ما الذي نستطيع فعله أمام كل هذا؟

كان هناك لقاء لباسم يوسف مع المذيع شديد المراس بيرس مورغان قبل أيام، تمكن فيها باسم يوسف ان يقول ما جعل المشاهدين يتكلمون وأنفسهم وكأنه وضعهم أمام مرايا ضمائرهم وحقيقتهم لعلهم يتفكرون. ولكن ما قام به باسم يوسف لاحقا لذلك اللقاء ببث خاص كان هو الأهم، كيف نغير وجهة نظر الغرب فعلا؟ لأن القول ان الغرب لا يهمنا هذا هراء حقيقي. لا يمكن حل ما يجري بلا تدخل الغرب الحقيقي. وما حصل هز الكثير من صورتنا، ولا أحد يأبه بالسؤال عن الاحتلال وما قام ويقوم به منذ وجوده. لا أحد يأبه بجذور هذه القضية وأسباب ما جرى ببديهياته التي تعرفها ويعرفونها.

ربما تأخر الوقت كثيراً علينا كأفراد، الا من ممارسة بعض التقييم “المضاد” لما نفكر به ونراه ونقتنع به ونصدقه ونؤمن به، ونفكر للحظة بكيف يراه الآخر. الآخر هذه المرة يستطيع ان يقرر ان تتوقف المجازر والدمار الحاصل في غزة إذا ما استطاع الناس امثالنا ان يؤثروا على حكوماتهم. ليس امامنا الا البشر الذين يمكن لهم ان يرونا ويسمعونا كبشر مثلهم وهؤلاء مثلنا كثر، ولكنهم مثلنا غير مؤثرين الا على ما يرونه من اعلام حكوماتهم فيكونون ارتداديين لا فاعلين. نستطيع ان نؤثر لو فكرنا ببعض الحكمة وفكرنا بأننا نريد أن نؤثٌر على من هو ليس مثلنا، على من لا يعرف الحقيقة التي نعرفها.

من الممكن، أن تبادر حماس بالتعامل مع من احتجزتهم من المدنيين في مثل هذه المبادرة تكمن أقوى الفرص للجم آلة الحرب والدمار والبدء في إحباط المخطط الرامي لإعادة تشكيل الخارطة بما يبدي بظهور “فلسطين الجديدة” على أنقاض غزة وجثامين أهلها.

مسألة المحتجزين هي ما يقلق الإسرائيليين، ولديّ اعتقاد أنّ الشعب الإسرائيلي مختلف في تأثيره على حكومته. فالخوف من غياب الديمقراطية هو خوف حقيقي لدى أكثر من نصف هذا الشعب. ومن شأن المبادرة بإطلاق سراح المدنيين أن يؤسس لبناء قدرة هؤلاء، على التأثير على صنع القرار في إسرائيل لما يأخذ بالحسبان أنّ الشعور بغياب الأمن، حتى الشخصي منه، لن يتلاشى إلّا بقبول حل عادل للقضيّة الفلسطينية.

*كاتبة فلسطينية