الرئيسية / أخر المستجدات / تعليمنا أولا..وتعليمنا أخيرا
الحبيب ناصري

تعليمنا أولا..وتعليمنا أخيرا

الحبيب ناصري/

من الصعب أن نجد اليوم مخرجا لأزماتنا العربية وطبيعة وضعنا الراهن، ومحاولة إخراج أنفسنا من النفق المظلم، الذي نعيش فيه، من الماء إلى الماء، بل، من المستحيل، أن نفك أعناقنا من «قبضة» الرأسمال العسكري والتكنولوجي والاقتصادي والسياسي والمالي والثقافي واللغوي، الغربي في شقه المتعطش للهيمنة الدائمة على دول العالم الثالث ككل، ونحن فئة منها، بدون خلخلة واقعنا التعليمي والتربوي والبحثي العلمي والتكويني والثقافي والإبداعي ككل.
حينما ننبش، في مسارات الدول التي تمكنت أن تجد لها قدما في خريطة الدول المتقدمة، وعبر تاريخ هذا الكون الذي نعيش فيه، ومنذ بدء الوعي بقيمة طرح سؤال كيف نتقدم، إلا ونجد أن كافة هذه الدول، تمكنت من أن تجد جوابا رئيسيا مهما له قيمته في المدى القريب والمتوسط والبعيد، بل الدائم، إنه التعليم، أولا وأخيرا. التعليم بكافة مكوناته ومراحله وعلى مدى الدهر.
وماذا بعد التشخيصات هنا وهناك؟
صحيح، أننا في عوالمنا العربية، تم إلهاؤنا، حد جرنا إلى صراعات متعددة وخطيرة، إلى درجة أننا أصبحنا «أضحوكة» هذا العالم، فيكفي تفكيك صورتنا في الإعلام الغربي بكل مكوناته وحتى في إعلامنا الداخلي لنستخلص أن البنية المعجمية المهيمنة في حياتنا اليومية هي بنية الحروب والصراعات الطائفية الدموية المخيفة والمرعبة، والمرتكبة بـ«اسم» الإسلام الذي هو في العمق رسالة جمالية وإنسانية، من وظائفها الجوهرية، إنقاذ الإنسان من وحشيته وتعلمه كيف يستمتع بحياة جميلة مبنية على العمق الروحي الجميل.
طبعا، هذا الإلهاء ما كان ليتحقق، لولا وجود التربة الخصبة لتحقيق هذا، ويتعلق الأمر بهيمنة القراءات المؤدية لـ«موت» الإبداع في كل مناحي الحياة، وهو موت كان نتيجة طبيعية لـ«قتل» العقل والروح في كل مجتمعاتنا، ما ساهم في جعلنا «مشلولين» في الابتكار والمعرفة والعلم والبحث والإبداع. طبعا، من الممكن أن نجد بعض الاستثناءات هنا وهناك، ونجاح بعض التجارب القليلة في هذا البلد أو ذلك، وهي عادة ما تكون مبنية على أفراد، وليست نجاحات فعل مؤسساتي شامل وجامع ومولد للنجاح ولفائدة الجميع.
صحيح أيضا، أن العديد من التشخيصات في السياسة والتعليم والاقتصاد والإدارة، إلخ، قد أنجز هنا وهناك، وكان دقيقا ومفيدا، لكن، ما الذي يجعله يتعثر ولا يحقق آمال الجميع، بل، لماذا وإلى يومنا هذا لم نتمكن من أن نقول كلمتنا في هذه الحياة، ونملك عدة علمية ومادية واقتصادية وبحثية، يهبنا من خلالها الآخر، ويقدر ويثمن مكانتنا، عوض أن يتعامل معنا ويبرمجنا فقط كمستهلكين لبضاعته، بدءا مما نرتدي مرورا بمطبخنا وسياراتنا وهواتفنا وحياتنا بكل تفاصيلها التي هي اليوم في ملكيته، ولا شيء في ملكيتنا نحن؟ صحيح، أنه اجتهد وناضل ومرّ بدوره من حرب الكنيسة التي باعت صكوك غفرانها، وفعلت في مواطنيها ما اشتهته. وصحيح ومن منطق «الغالب» و«المغلوب» ومن منظور ابن خلدون رحمه الله، أنه من الممكن أن يفعل فينا ما شاء، وربما بدورنا فعلنا فيه ما شئنا في زمكان ما. لكن، السؤال النوعي والحضاري اليوم، يقتضي منا السير وفق رؤى باحثة عن مكانة غير مذلة وغير مضحكة وغير مصنفة لنا فقط، إننا مجرد مستهلكين، ومالكين فقط «حرية» اختيار البضاعة التي نرغب، والدفع فورا، وإلا فمصيرنا معروف مسبقا. الغرب لا يغازل أحدا، وسياسته غير مبنية لا على النية ولا على الدين ولا على أي شيء. الغرب سياسته واضحة مدافعة عن مصالحه أولا وأخيرا، ولا صديق ولا جار له، إلا مصلحة دوران عجلة اقتصاده وتوفير الرفاهية لشعوبه.
عود على بدء:
لنحلل خطاباتنا اليومية وتفاصيل ما ننشر في كل قنواتنا وهذه التكنولوجيا التي نستعمل اليوم من المهد إلى اللحد، ونتساءل، عن طبيعة المعجم الموظف في حياتنا؟ يبدو، أننا اليوم ننتج كلاما سياسيا «بالمفهوم السياسوي»، أكثر من إنتاج بنية معجمية تخص المدرسة، التي، في اعتقادنا المتواضع، هي أصل الداء/الدواء.

من داخل المدرسة تتحقق النهضة:
هل من الممكن أن نملك الشجاعة ونطرح السؤال التالي: ما السر، في تعطيل كل المحاولات النهضوية التي قد تكون وقعت في سير مسارنا التاريخي ككل؟ لن نفتح، هنا، ملف القراءات العديدة لهذا التاريخ العربي المعطوب والمثقل بالصراعات، طبعا بدون القفز عن بعض اشراقاته الروحية و/أو العقلانية التي تكون قد وقعت هنا وهناك في طرف من أطراف هذا العالم العربي، وغيره من بقية الفضاءات الجغرافية التي تشكو من العطب نفسه، ما دمنا نتشابه، وبمعزل عن العرق أو اللغة أو أي معيار آخر، في ظل هذه العولمة الحارقة، في الترتيب البحثي والعلمي والتقني والاقتصادي، لكن يبدو أن المعرفة، بمفهومها الشامل هي اليوم، محك حقيقي ونوعي، لمن أراد أن يدق باب غرس شجرة مثمرة ويحميها من كل عوامل التعرية وسقيها سقيا نافعا مثمرا للجميع. شجرة تتطلب الصبر والتحلي بالحكمة وجعلها محور اهتمام، كافة المكونات المجتمعية.
التعليم/الإبداع طريق حقيقي نحو تقدم حقيقي:
حينما ندرك جميعا، أن التعليم ووفق ما ورد سالفا هو طريقنا الحقيقي، فهذا يعني، أننا امتلكنا خطوة أولى نحو مسار نوعي وفاعل. طبعا، يبقى السياسي في عالمنا العربي، هو صاحب اللعبة السحرية، الذي من الممكن أن يساهم في ترويج هذه المقولات، إن هو فعلا كان مؤمنا بكون طرق التقدم تأتي من داخل المدرسة، وليس من داخل أي مبنى آخر، وأن دوره النوعي هو توفير العدة المادية والمالية والقانونية والإعلامية، لترسيخ ونحت هذه المقولة في نفوس الجميع، طبعا، مع نحت مقولة أخرى تتجلى في كون من يحقق حقيقة الإصلاح الجذري في هذا المجال، من يمسه سؤال التربية والتعليم (بحثا وأسرة ومتعلما ومدبرا لتعليماته ومفككا لسؤال التربية والتعليم والبحث، ومفكرا في فلسفته واقتصادياته).
سؤال الإبداع والتفكير المبني على ثنائيات حاجيات المتعلم ومجتمعه، مدخل حقيقي، لجعل هذه المدرسة اليوم مفعمة بحياة الجمال والفكر النقدي، وبناء حقيقي لقنطرة مرور بين ما نتعلم وما نحن في حاجة ماسة إليه في أمكنتنا الخاصة والعامة. سؤال الوعي بقيمة التعليم وتملك الجرأة النوعية في خلخلة كل عوائقه، سؤال جوهري، بل من الممكن جعله ملفا مفتوحا على مدار الدهر، بقي من بقي ومات من مات، إلى أن يطوى هذا الكون. أكيد فالترقي الاجتماعي اليوم، ووفق معايير حياتية مادية ومالية شبه صرفة ومهيمنة، لم يعد يأتي من المدرسة مثل ما كان في الستينيات والسبعينيات، بل هو اليوم وفي الغالب يأتي من فضاءات غير ذات صلة بالتعلم، زد على هذا، كون المدرس، لم يعد بدوره مالك المعرفة والمعلومة المتدفقة بشكل رهيب في كل هذه الرقميات الحديثة، بدون نسيان تمثلات مجتمعاتنا العربية ككل حول المدرسة وما تنتجه اليوم، من «بطالة» مهولة، ما يفرض جعلها في يد من له القدرة على الاستثمار. (ربط التعلم بسوق الشغل).
ثورة مفاهيمية وأسلوبية وتربوية وعلمية وثقافية وذهنية، مسلك حتمي وتاريخي يفرض ربط كل ما نملك، بهذا التغيير المنشود وداخل أسوار المدرسة وبكل مكوناتها من مرحلة استقبال الطفل وهو يحبو، إلى أن يغادر أبوابها حاملا معه ما تعلمه وتملكه من معرفة ومهارات وقيم ورؤى. من الممكن اعتبار ثلاثية المدرس والمتعلم والمجتمع (حاجياته، الخ)، الثلاثية التي علينا بناء جميع إصلاحاتنا وخلخلاتنا عليها. وفي مقدمة كل هذا، من الممكن طرح السؤال التالي: من يختار اليوم مهنة التدريس؟ وما طبيعة تكوينه ومرجعياته الدراسية والحياتية والمجتمعية ككل؟ البدء بهذا السؤال، بدء جوهري وأساسي في أفق طرح وتعميق الأسئلة الأخرى ذات الصلة به.
أردنا أم كرهنا، وبمعزل عن مدرسة مؤمنة بترسيخ المعرفة والجمال والإبداع والقيم الوطنية والدينية المعتدلة والمتسامحة مع كافة الديانات السماوية والوضعية، والانفتاح على القيم الإنسانية الكونية، لن نحقق أي خطوة نحول الأمام، في زمن تتسارع وتتصارع فيه القوى الكبرى، فارضة شروطها ومعاييرها التي بها «تروض» العالم، فكيف من الممكن أن نموقع أنفسنا داخل هذا الغابة العالمية المتوحشة والمخيفة للجميع خارج شرط المعرفة والعلم والبحث العلمي؟
تركيب:
المدرسة أولا…المدرسة أخيرا، طريقنا الأول والرئيسي نحو الفوز بمقعد في هذه العولمة التي لا ترحم ولا تبنى على النيات الحسنة التي بها نريد أن نعطي لأنفسنا مكانة ما في هذا العالم/العولمة.

عن القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.