الرئيسية / أخر المستجدات / “التناوب التوافقي”

“التناوب التوافقي”

راج كثيرا، إعلاميا وسياسيا، مصطلح “التناوب التوافقي” خلال نهاية القرن الماضي واقترن بفترة تولي الأستاذ المرحوم عبد الرحمان اليوسفي الوزارة الأولى، وظل مع مرور الزمن بمثابة عنوان لتلك المرحلة من تاريخ المغرب المعاصر.

وسبق أن نُشرت كتابات كثيرة تناولت تلك المرحلة من جوانب مختلفة مع قفز مقصود أو غير مقصود عن كُنه المصطلح ومضمونه وتجنب الخوض في مدلوله الذي ينطوي على الكثير من اللبس السياسي، وأود من خلال هذه السطور أن ألقي بحصاة في الماء الآسن لما يسمى التناوب التوافقي.

إن وصف “التناوب” بأنه “توافقي” فهذا يعني بشكل واضح أنه ليس تناوبا ديمقراطيا نابعا من الإرادة الشعبية عبر صناديق الاقتراع وإنما هو مبني على توافق أو اتفاق بين السلطة العليا في البلاد وحركة سياسية قضت سنوات طويلة في المعارضة بتسهيل وصولها للمشاركة في الحكومة بالحجم الذي يحظى بقبولها، والذين عاشوا تلك المرحلة يعرفون التجاوزات الخطيرة التي عرفتها الانتخابات التشريعية على يد مهندس الخرائط السياسية آنذاك إدريس البصري للوصول بطريقة “مخدومة” إلى الغاية “التوافقية”، علما بأن كل توافق يُبنى على تنازلات لكل الأطراف المعنية وهذا أمر عاد في العمل السياسي وفي غيره، لكن تنازلات الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي كقبوله الطريقة التي مرت بها الانتخابات وقبوله تشكيل الحكومة مع إدريس البصري وهو ما سبق أن رفضه زميله في الكتلة الديمقراطية الأستاذ امحمد بوستة وقبوله الانخراط في تجربة دون توفر شروط الانتقال الديمقراطي الذي كانت تطالب به الكتلة، كل ذلك خلف آثارا لم تكن هينة وبسيطة بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي وللكتلة الديمقراطية على السواء حيث برز تحفظ العديد من الاتحاديين وغادر سفينة الحزب التيار النقابي بقيادة نوبير الأموي وعبد المجيد بوزبع وتأسيس حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، وغادر الحزب أيضا تيار الوفاء للديمقراطية الذي كان يضم العديد من مثقفي وشباب الحزب، وتوالى انسحاب أو ابتعاد العديد من الأطر الاتحادية عن حزبهم، وبالنسبة للكتلة الديمقراطية دخلت مرحلة الفتور إلى أن توقفت وتوقفت معها مطالبها المتعلقة بالانتقال إلى الديمقراطية.

وكلمة التناوب في مدلولها السياسي تعني تغيير المواقع حيث يتم انتقال الحزب أو الأحزاب التي كانت تتشكل منها الحكومة إلى المعارضة ويحل محلها في الحكومة الحزب أو الأحزاب التي كانت في المعارضة، وهذا لم يحصل بالنسبة لما يسمى حكومة التناوب التوافقي لأن الوزير الأول المكلف وهو الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي شكل حكومة من الأحزاب والتيارات السياسية التي كانت موجودة في الحكومات المتعاقبة السابقة إلى جانب أحزاب الكتلة الديمقراطية التي كانت في المعارضة حيث ضمت الحكومة سبعة أحزاب من توجهات متباينة في توجهاتها ومتناقضة في خلفياتها وأغراضها.

ومما يوضح أكثر أن الأمر لا يتعلق بتناوب سياسي وإنما مجرد مشاركة أحزاب المعارضة في الحكومة هو أن نفس التوجهات والاختيارات الأساسية في السياسات العمومية التي كانت سائدة من قبل ظلت بدون تغيير يذكر، كما أن وجود شخصية “اشتراكية” على رأس الحكومة مع نسبة عالية من الوزراء المحسوبين على الاتجاه “الاشتراكي” لم يمنع هذه الحكومة من القيام بأكبر عمليات تفويت مؤسسات الملك العام إلى الخواص وكأنها جاءت للقيام بهذه المأمورية حيث تضمنت الهيكلة الحكومية لأول مرة وزارة مختصة ببيع أملاك الدولة للخواص سُميت بوزارة “الخوصصة”.

وبقطع النظر عن بعض الإصلاحات القطاعية والتطور النسبي في أساليب تدبير بعض المرافق الحكومية فإن التوجه الليبرالي المتوحش ظل يطبع الاختيارات الأساسية في السياسات العمومية، والنتيجة التي يعرفها الجميع هي الاتساع المتزايد والفاحش في الفوارق الاجتماعية والمجالية، وهي من المعضلات الكبرى التي أدت مؤخرا إلى الإقرار بفشل “النموذج التنموي” المتبع منذ عقود وضرورة صياغة واعتماد “نموذج تنموي جديد” لمواجهة الصعوبات والمعضلات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

وإلى جانب المفارقات في المعنى والمبنى لمصطلح “التناوب التوافقي” فإنه لابد من الإشارة إلى أن “التناوب” في حد ذاته لا يعني الانتقال إلى الديمقراطية التي ليست مجرد التناوب على كراسي الحكومة وتبادل المواقع بين مكونات الحكومة ومكونات المعارضة وإنما تعني بالأساس تداول سلطة الحكم، أي أن الحزب أو الأحزاب التي تتكون منها الأغلبية البرلمانية وتشكل الحكومة تصبح هي الحاكمة فعلا وتتحمل كامل المسؤولية عن كل المرافق الحكومية وعن البرامج والاختيارات والأولويات التي تضعها بنفسها وتسهر على تنفيذها وتحاسب عليها في نهاية ولايتها، ولعل هذا هو المقصود من عبارة “حكومة مسؤولة” الواردة ضمن المطالب المعبر عنها في مذكرة حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1991 ومذكرات الكتلة الديمقراطية فيما بعد.

أما ما سمي بالتناوب سنة 1998 فهو لم يغير جوهر وطبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة من قبل. وحينما يظل العمل الحكومي سجين توجه واحد لا يتغير بتغير الحكومات أيا كانت الأحزاب التي تتشكل منها ويبقى دور الحكومة محصورا في التسيير فإننا نكون أمام مجرد إقحام لكلمة “تناوب” في عملية سياسية “توافقية” كان الهدف منها هو إنهاء التوتر الذي ساد على مدى عقود من الزمن بين فصيل من المعارضة والسلطة الحاكمة عن طريق الإشراك في التسيير وليس في الحكم.

ويبقى الانتقال الديمقراطي حلما لدى كل من يؤمن فعلا بالديمقراطية كنظام ومنهج يؤطر الحياة السياسية ويضمن الحقوق والحريات الأساسية للجميع في ظل سيادة قوانين منصفة ويتيح الاختلاف بين المذاهب والبرامج الاقتصادية والاجتماعية وتعدد الاجتهادات الحزبية المستقلة عن أي ضغط أو تدخل للسلطات العمومية أو غيرها وإتاحة فرص تحمل كامل المسؤولية أمام القوى التي ترجح كفتها صناديق الاقتراع مما يخلق دينامية متجددة في التغيير والتطور والارتقاء المتواصل نحو الأفضل.