الرئيسية / أخر المستجدات / حقوق الإنسان كل لا يتجزأ

حقوق الإنسان كل لا يتجزأ

تتميز حقوق الإنسان بطابع الكلية، بحيث لا يمكن الفصل بينها أو تجزئتها، وما درج عليه الباحثون من تقسيمها إلى مجموعات تمثل ثلاثة أجيال، هو مجرد عمل أكاديمي لا يعني الفصل بين تلك المجموعات التي تبقى في مجملها مترابطة ولا تقبل التجزئة.
ويشكل كل من الجيل الأول والثاني، المجموعتين الرئيسيتين في منظومة حقوق الإنسان، وسنبين الارتباط الوثيق بينهما من خلال عرض أمثلة عن كل مجموعة منهما قبل أن نعرض للجيل الثالث الذي يتعلق ببعض الجزئيات التي فرضت ظروف الحياة المعاصرة أن تحظى باهتمام خاص.

ومما يندرج ضمن الحقوق المدنية والسياسية، أو ما يعرف بالجيل الأول نذكر على سبيل المثال: الحق في الحياة، والحق في السلامة الشخصية، والحق في المعاملة الإنسانية، والحماية من التعذيب، ومن الممارسات المُهينة، أوالحاطة بالكرامة، ومن الاعتقال التحكمي، والاحتجاز التعسفي، والحق في الشخصية القانونية، وحرية التنقل، والحق في مغادرة التراب الوطني والعودة إليه بحرية، والحق في المحاكمة العادلة في حالة المتابعة القضائية، والحق في عدم التدخل في خصوصيات الشخص، والحق في اعتناق آراء وأفكار خاصة والتعبير عنها، والحق في ممارسة الشعائر الدينية، والحق في الاختلاف مع السلطات الحاكمة وانتقادها بحرية، والحق في تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية، وحرية الانخراط فيها، وحرية التعبير والصحافة، وحق المشاركة في التجمعات السلمية، وحق المساهمة في تدبير الشأن العام، وحرية التصويت في الاستفتاءات والانتخابات، وعدم التمييز في التمتع بالحقوق والحريات، بسبب الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، أو الأصل العرقي، أو الوطني، أو الجاه والنفوذ، أو الانتماء السياسي أو النقابي…
أما الجيل الثاني الذي يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنه يشمل على سبيل المثال: الحق في العمل والأجر العادل، والحق في تكوين النقابات والانضمام إليها، وحق الإضراب، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في حماية الأسرة، وضمان النمو الطبيعي للأطفال، وحق هؤلاء في التربية والتعليم، والتنشئة الحسنة، والحماية من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، وحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والسكن، والحق في التحسين المتواصل لمستوى العيش ، والحق في العلاج من المرض، والتمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية، والحق في متابعة الدراسة، والحق في الثقافة والتمتع بالفنون، وحرية البحث العلمي، والحق في الإعلام وتلقي المعلومات دون قيود، وحق الاستفادة من ثمرات التقدم…
وتصنيف حقوق الإنسان في الوثائق الدولية وفي الدراسات الأكاديمية إلى المجموعتين الرئيسيتين المشار إليهما لا يعني مطلقا أفضلية أو أسبقية مجموعة على أخرى، ولا يقصد منه تجزئة الحقوق والحريات الأساسية، لأنه لا غنى في حياة الإنسان كفرد وكعضو في المجتمع عن الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ذات الوقت، لأن كل واحدة من المجموعتين تشتمل على جوانب معينة في حياة الإنسان، وهي تتكامل في مجملها، وقد تمت الإشارة إلى المجموعتين معا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في 10 دجنبر 1948 ، وحتى حينما ظهرت كل مجموعة ضمن عهد خاص، فإن كلا من العهد المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقع اعتمادهما في نفس اليوم وهو 16 دجنبر 1966، تأكيدا من المنتظم الدولي لتلازمهما، وعدم إمكانية تعويض إحداهما بالأخرى، أو منح الأسبقية لأي منهما على الأخرى.

وحينما كان العالم ينقسم إلى معسكرين يختلفان بكيفية جوهرية في نظاميهما السياسي والاقتصادي، كان الجدل يثور حول نوع الحقوق الذي يحظى بالأولوية، فيقول البعض أن الحريات الفردية والجماعية، كحرية الفكر والتعبير، وحرية الصحافة، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات، وحرية النشاط السياسي والنقابي، هي التي تحظى بالأسبقية بالنسبة لحياة الإنسان، في حين كان البعض الآخر يرى أن الحق في التعليم والشغل والسكن اللائق والعلاج هي التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، ولو كان ذلك على حساب الحريات الأساسية للجماعات والأفراد.
والواقع أن الاتجاهين معا كانا يجانبان الصواب، حيث يقوم كل منهما على تجزيء حقوق الإنسان، وتفضيل مجموعة منها على مجموعة أخرى، في حين أنها في جملتها تشكل كلا لا يقبل التجزئة، فلا مجال لتأجيل الحريات السياسية مثلا إلى ما بعد تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كما أن الحقوق المدنية والسياسية تبقى عديمة الجدوى إذا لم تكن مقرونة ولو بالحد الأدنى من وسائل ومتطلبات الحياة الكريمة، كالتعليم والشغل والعلاج والسكن اللائق، فلا حرية لجائع، ولا كرامة لمن يعاني من الأمية والبطالة، أو يقيم في ظروف غير إنسانية، ولا حقوق لمريض لا يُؤَمن له العلاج، كما أنه لا يمكن تصور حياة كريمة مع الاستبداد والطغيان، ولا مجال لتحقيق أي تطور في مستوى حياة الإنسان مع مصادرة حرية الفكر والاجتهاد والإبداع.

وإن حرص عدد من الحكام في دول العالم الثالث على احتكار مواقع القرار والنفوذ، وعجزهم عن التوفيق بين إطلاق الحريات، وخلق النظام الملائم لتحقيق التنمية وتوزيع الثروات بكيفية عادلة، أدى إلى ترويج بعض الأفكار التي تنطوي على المغالطة، كالقول بأن حقوق الإنسان ليست سوى رفاهية فكرية ناتجة عن ظروف الحياة في المجتمعات الغربية المتقدمة صناعيا، والتي يتميز اقتصادها بوفرة الإنتاج، وبالتالي فإنه يكفي لمواجهة التخلف أن يوجد (مستبد عادل)، ومثل هذا القول لا يستند على أي أساس علمي أو منطقي، لأن الاستبداد يتناقض في جوهره مع العدل، وتؤكد تجارب الشعوب أن احتكار السلطة من طرف طبقة، أو الحكم الفردي المطلق، من شأنه أن يؤدي إلى الطغيان، والله سبحانه وتعالى يقول: »وإن الإنسان ليطغى »، كما أن الاستئثار بالحكم لا يقوم إلا على انتهاك أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وهو حق المشاركة في تدبير الشأن العام، ولا يترك أي مجال للتمتع بالحريات السياسية، وينفي الحق في الاختلاف، مع العلم أن مصادرة هذه الحقوق والحريات، أو تقييدها في البلدان المتخلفة عموما، لم يؤد إلى أي تحسن في مستوى عيش الطبقات الشعبية، ولا إلى تحقيق التنمية، بل على العكس من ذلك، كان من نتائجه بصفة عامة، استحواذ فئات قليلة على مصادر الثروات، وتهميش إرادة الشعوب، وانتهاك حقوق الإنسان بجميع فروعها في تلك البلدان.

ويعد من قبيل المغالطة كذلك، القول بأن الحقوق المدنية والسياسية لا تحتاج لتدخل الدولة لحمايتها، لأنه من الواجبات الموضوعة على عاتق الدولة توفير حماية سلامة المواطنين، وضمان ممارستهم لحرياتهم، وتوفير الآليات الضرورية لاحترام حقوق الإنسان بإنشاء المحاكم، وضمان استقلال القضاء، والسهر على احترام القوانين، وضمان المساواة في تطبيقها.

ومن خلال ما تقدم يمكننا أن نستخلص بأن كل عمل على إقرار حقوق الإنسان، وضمان وسائل حمايتها، لابد وأن يأخذ بعين الاعتبار مبدأ الكلية وعدم القابلية للتجزئة، فلا مجال لتأجيل أو إلغاء أو تجاهل أي صنف أو فرع من الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، لأنها في مجموعها تشكل عناصر الكرامة التي هي صفة أصيلة في الإنسان، والكرامة إما أن تكون كاملة غير منقوصة، أو أنها لا تقوم لها قائمة.

وإذا كانت الحقوق لصيقة بطبيعة الإنسان، وتتجاوب مع حاجاته ومتطلبات حياته، فإنها لابد أن تتطور في جزئياتها بحسب تطور هذه الحاجات والمتطلبات، وبالتالي لا مناص من إغناء مفاهيمها، وتطوير آليات حمايتها، كلما ظهرت تحديات جديدة تهدد الإنسان في كينونته ووجوده، أو في سلامته الشخصية، أو تعوق تطوره ونموه الإنساني والاجتماعي، أو تحول دون تمكنه من المعرفة وتلقي المعلومات، أو تمس كرامته، أو تحد من حرياته، أو تقيد قدرته على الإبداع..

وقد ظهرت خلال السنين الأخيرة دعوات لإقرار حقوق قد يبدو أنها جديدة كالحق في السلم، والحق في البيئة السليمة، والحق في التنمية، وتندرج هذه الحقوق ضمن ما يعرف بالجيل الثالث لحقوق الإنسان، وإذا كان اعتماد المواثيق المتعلقة بهذه الحقوق جاء متأخرا بالنسبة للجيل الأول، حيث أن إعلان الحق في التنمية مثلا لم يعتمد إلا سنة 1986، فإن هذا الحق لا تخلو الإشارة إليه في مواثيق دولية سابقة بكيفية ضمنية، كميثاق الأمم للمتحدة الذي يرجع إلى سنة 1945، وهناك أيضا الإعلان العالمي حول التقدم والتنمية في المجال الاجتماعي الصادر سنة 1969.

وبصفة عامة يمكن القول بأن التطورات التي عرفتها البشرية تطلبت إبراز بعض الجوانب التي كانت مجرد جزئيات عند صدور الجيل الأول والثاني لحقوق الإنسان، والمواثيق التي شملت ما عرف بالجيل الثالث، ليست في الواقع سوى رد فعل على الظروف والمعطيات الجديدة، التي أصبحت تزخر بها الحياة المعاصرة، والتي تهدد حقوق الإنسان المعترف بها ضمن إعلان 10 دجنبر1948، وفي العهدين المتعلقين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالحق في السلم هو تعبير عن رفض الحروب، وما تخلفه من ضحايا وآلام وخراب، وتمسك بالحق في الحياة، كما أن الحق في البيئة السليمة، يتجاوب مع طبيعة الكائن البشري، الذي يتضرر من التلوث، وتقتضي وقاية صحته البدنية والنفسية العيش في بيئة سليمة، والحق في التنمية يجسد الرغبة في التغلب على مشاكل التخلف، التي تمس كرامة الإنسان، تعوق حقه في التحسين المتواصل لمستوى عيشه، كما تعوق النهوض بحقوق الإنسان بوجه عام.

ومهما تعددت المواثيق الدولية التي تتناول مواضيع حقوق الإنسان في جزئياتها، ومهما تطورت آليات ووسائل الحماية الدولية منها والإقليمية والوطنية، فإن ذلك لا يمس بمبدأ الكلية وعدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، لأن دراسة التفاصيل، والتعمق في الجزئيات لمواكبة الحاجات الجديدة، لا يمكن أن يؤدي لنفي الارتباط التكاملي بين كل الفروع والأجزاء التي تشكل في مجموعها جوهر حقوق الإنسان.