الرئيسية / أخر المستجدات / في الذاكرة التاريخية
عبد الإله بلقزيز

في الذاكرة التاريخية

د عبد الإله بلقزيز/

إنّ أيَّ شعبٍ لا يملك ذاكرة تاريخيّة لا يملك مستقبلاً. مخطئ من يظنّ أنّ التّقدم إلى الأمام واقتحامَ المستقبل رهن بالتّحرر من الماضي ومَحْوِ الذاكرة والانصرافِ بالتّالي، إلى صناعة الحاضر والغد. لم يكنِ النسيان، يوماً، فاعليّة منتِجة حتى يُرْكَب مركبُه ويُصبح طِلْبَةً عليها يكون التّعويل. حتّى الذين يُصابون بفقْدان الذّاكرة من الأفراد يعرفون، على الحقيقة، ما الذي يرتّبه عليهم فقدانها من جسيمِ التّبعات ليس أقلّها عسْرُ اندماجهم في محيطهم الجديد – المفصولِ عن الماضي عندهم (حتّى وإنْ كانت شخوصُ ذلك المحيط الجديد من الأهل والأقارب أنفسهم) – والشّعورُ الدّائم بعدم معرفة أيِّ شيءٍ عن الذّات؛ فالمرء، في مثل هذه الحال، يكون مجرّداً من القدرة على تعريف نفسِه لنفسه لامتناع معرفته روابطه بالأهل والمكان والزمان والأشياء.

ما يقع للأفراد يقع للشعوب والأمم وربما على نحوٍ دراماتيكيّ أكبر؛ فهذه أيضاً، تخسر الكثير من فقدانها ذاكرتها التاريخيّة. ليس الماضي فحسب ما تخسره، بلِ الحاضر والمستقبل أيضاً؛ حيث تُلفي نفسها تخوض فيهما وهي في اضطرابٍ من أمرها، ومن دون مرجعيّةٍ ذاتيّة. والأغلبُ أنّها – في غمرة النّسيان الجماعيّ – تُمسي عالة على غيرها، محكومةً بنظام توجيهات، نظير ما يكون عليه فاقد الذاكرة مع من يحاول أن يوجّهه على النّحو الذي يرتاض على نهجه. وفي الحالين – الفرديّة والجماعيّة – يتحوّل المجرد من الذّاكرة إلى تابعٍ لمن يُدرِّبه على التّعامل مع الأشياء والمحيط.

النّسيان قطيعةٌ، بل قطيعةٌ حادّة ينخرم بها نظامُ الأزمنة؛ انتزاع عنيف للأنا من أَنَاها وتطويحٌ بها في المجاهل. اغتصاب عنيف هو، إذن، للشعور بالاستمراريّة التاريخية: الشّعور الوحيد الذي يكون معه التّقدّم والتّراكم ممكنين، وهو لذلك السّبب يُفْقر المصابَ به من الشّعور بالمعنى؛ الشّعور الإيجابي الذي تتغذّى منه الرّوح الإنتاجيّة والإبداعية، ويتزود الأفراد والمجتمعات بمواردَ لا غنًى عنها من الدّوافع والحوافز لتعظيم الشّرط الإنسانيّ.

مخطئ من يعتقد أنّ الذّاكرة رديفٌ للانسجان في كهوف الماضي، أو قيْدٌ مضروبٌ على إرادة التّحرّر من السّلطان المرجعيّ للماضي والتّاريخ. صحيح أنّ بعضَ التّمسّك الأعمى بالماضي شديد الضّرر على مَن يأتيه: فرداً كان أو شعباً أو أمّة؛ حيث يجعله مستَلباً، انكفائيّاً وارتكاسيّاً متهيّباً الانطلاقَ والإقدام واقتحام الآفاق. ولا شيء يعادل فقدان الذّاكرة التّاريخيّة هوْلاً وفداحةً سوى الانقفال في أقفاص الماضي.

وما من أمّةٍ أصابت حظّاً من النُجْح في الحضارة والمدنية لم تتزوّد بطاقةٍ من ماضيها، ولم تُسخر خبرته ودروسه في مشروعها للبناء، وتبحث لنفسها عن أمْثلِ سبيلٍ إلى ربط حاضرها به قصد تحقيق الشّعور بالاستمراريّة التّاريخيّة، وقصد تحقيق التّوازن الجماعيّ. على مرجعيّة اللّحظة الإغريقيّة- الرّومانيّة في التّاريخ، ومكتسباتها الفكريّة والسّياسيّة، بَنَتْ أوروبا – مثلاً – مدنيّتها الحديثة بين القرنين السّادس عشر والثّامن عشر، وعلى المثال الإمبراطوريّ الرّومانيّ أقامت دُوَلَها في أوروبا وشمال أمريكا. وكذلك فعلتِ اليابان الحديثة مستلهمةً تاريخها الإمبراطوريّ والحضاريّ، وهكذا تفعل الصّين اليوم وهي تتهيّأ لأن تَرِث حضارات العالم وتتصدّره…، وكذلك تفعل الهند وروسيا وكوريا. حتّى في أمريكا التي لا يتجاوز تاريخُها بضعة قرون وبضعة أجيال، تمدّ حبْله إلى ما قبل قيامها؛ إلى ماضيها الأوروبيّ قبل الهجرة إلى القارّة الجديدة؛ يَدُلّك على ذلك أنّ الأمريكيّين سمّوا الأقاليم الأولى التي أصبحت نواةً للولايات المتّحدة الأمريكيّة ب New England تعبيراً منهم عن فكرة الاستمراريّة، وقِس على ذلك في دولٍ وأمم أخرى في العالم متمسّكة بذاكرتها التّاريخيّة.

وحدها الأمّة العربيّة يُراد لها أن تفقد تلك الذّاكرة، وتَفْرَنْقِع عمّا يشدّها إليها! وحدها يراد لها أن تشذَّ عن القاعدة فتنخرط في معركةٍ ضدّ ماضيها لتقْتَصَّ منه وتنتقم، وتوطِّن في نفسها أنّه عبءٌ عليها كابحٌ لها. وحدها يقال لها إنّ مستقبلها في أن تنسى هويّتها وتاريخها الحضاريّ، وفي أن تندمج في منظومة الآخر من دون شروط.

نفهم أن يكون موقف الناقمين على الماضي والتّاريخ ردَّ فعلٍ مشروع على الماضويّين المتشرنقين على الذّات، من دعاة الأصالة الذين يعالنون الحداثةَ عداءً جهيراً؛ ونفهم أن يدافعوا عن الحداثة والتّقدّم ويلتمسوا السُبل إلى ترسيخ قيمهما في الفكر وفي الاجتماع. ولكنّ هذا شيء (وهو مقبول ومسلَّم به ومطلوب) وذمّ الماضي والقَدْح فيه والدّعوة إلى التّحرّر من «ثقل الذّاكرة» شيءٌ آخر مختلف تماماً، بل هو ينقض الدّعوةَ نفسَها إلى الحداثة إذْ يَنْسى بأنّ هذه ليست سلعة للاستعارة والاستهلاك، بل صناعة تنتجُها مجتمعات وأمم وثقافات واثقة بنفسها، معتزّة بهويّتها وتاريخها ومساهمةِ أجيالها السّابقة في صُنع الحضارة والمدنيّة.

[email protected]