الرئيسية / أخر المستجدات / راس المال في زمن كورونا

راس المال في زمن كورونا

د عبد الإله بلقزيز/

ما كان مستغرباً أن تكون أقدام رأس المال قد وطئت كل ميدان لاحت فيه منفعة وتسهلت سبل المغنم.

يستكمل النظام الرأسمالي، في زمن «كورونا» الجاري، إطباقته على نفسه، وعلى الدنيا من حوله، بعد ما يزيد على أربعمئة عام على فتوحاته، وسلطانه. وتعطلت حركته عن الامتداد والزحف، فتوهنت قوته؛ وضاقت عليه سبل الربح، وانسدت عليه آفاقه، فلم يعد من ملاذ له غير الانكفاء إلى بنوك يرقد في حساباتها. ولم يحصل أن تعرض كيانه للصدع حتى في أشد نوبات أزماته، كما في أزمتي عام 1929 وعام 2008، ولا وجد نفسه – يوماً – أمام حال من الفراغ كالتي هو فيها الآن، وقد يقضي زمناً طويلاً قبل أن يتعافى من الفيروس الذي دبّ في جسمه. وحتى حينما تصير حاله إلى التعافي، لن يسعه أن يستمر على ما كان فيه من جنون أكل الأخضر واليابس في الأرض؛ إذ لا بد له من تصحيح ما اعوج في كونه، ومساره، حتى يتصالح مع المحيط الإنساني الذي آذاه كثيراً، وتأذى هو مما لحق الإنسان من أذى كان (هو) من أسبابه.

مبنى هذا النظام على الربح؛ هو عقيدته التي بها يدين، وما همّه أي نوع من الربح يكونه ذلك الربح: أهو سليم أو مشبوه؛ نظيف أو وسخ، يرفع من كرامة الإنسان أو يزري بها؛ يحترم الحق في الحياة أو يوفر أسباب انتهاكه؛ يخدم المصلحة العامة للبشرية أو يعود بأجزل الفوائد على مصالح خاصة وفئوية؛ يطابق منظومة القيم السائدة أو يجافيها،..إلخ؟

ما كان مستغرباً أن تكون أقدام رأس المال قد وطئت كل ميدان لاحت فيه منفعة وتسهلت سبل المغنم. وأكثر ميادينه الموطوءة ما تعلق باقتصاد الاستهلاك، فكان أن أفرغ الوُسْع لإجابة «حاجات» المستهلكين؛ وهم بعدد خلق الله جميعاً إلا من منعه مانع الفاقة. والحق أنه ما أجاب تلك «الحاجات» بقدر ما خلقها، وأخرجها، من عدم، ثم توسع في تنويعها حتى بدت للناس كأنها من الحاجات والضروريات. وهو في إشباعه الطلب على الاستهلاك، حوّل الطبيعي إلى صناعي، وأدخل فيه ما ليس منه كي يمدد من «صلاحيته»، فكانت خصائص الطبيعة في المنتوج تتناقص بمفعول الكيميائي الذي يتخللها لتتناقص معها، فوائده.

أما ما كان من منتوج غيرِ طبيعي فأخرجه إلى الناس بالسعر الذي يُشبع نهم الربح، غير آبه بما يلحق الناس من ضرر، مطْمئناً إلى إِقدامهم عليه لإشباع نهم الاستهلاك في ميدان الاستثمار في القوت، والمتاع، والمسكن، والملبس، والمقتنى، من وسائل التأنق والتجمل، وسرقة أموال الناس نظير سرقة فائض القيمة المستخرج من قوة العمل. المشكلة في أنه لا يتحرج – في سبيل تعظيم الأرباح – في أن يطأ ميادين لا يكون من ناتج الاستثمار فيها سوى هلاك الأرواح، والتعجيل بالفناء. ومن ذلك ما يضخّه في مجال التصنيع العسكري، وما يتولد منه من إنتاج وسائل الفتك بالحياة، ودمار العمران البشري، بل والتفنن في تصنيع أفْعل فتكاً كأسلحة الذرّة والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، حتى أن الحروب أصبحت مطلباً عزيزاً لديه، ووقوداً لاستغلال آلة إنتاجه. والمُسْتشنع في سيرته أكثر استرخاص الأعراض، والحط من قدر كرامة الإنسان، ويدخل في ذلك عمله المحموم في ميدان إشاعة ثقافة غرائزية باتت الصناعة السينمائية، اليوم، واحدة من أجزل موارد استثماره فيها. ولك أن تقيس أمثلة لاشتغال رأس المال خارج أي منظومة قيمية سوى تلك التي يسوغها النهم إلى الرِبح، وتعظيم المصالح الخاصة.

ضُرِب رأس المال هذا في مقتل، اليوم، أرْكَعته عاصفة كورونا الهوجاء، وفرضت عليه الحجر المالي بعدما انْحَدَّ جموحه إلى الربح. سيكون على رأس المال هذا، الذي استثمر في كل شيء إلا في الحياة والصحة، أن يسائل نفسه عما فعل؛ عن مسؤوليته في البحث عن الربح السريع وتَبعات ذلك الباهظة؛ عن مسؤوليته في تدمير البيئة واستصعاب الحياة على ظهر هذا الكوكب؛ عن ذهوله عن الاشتغال في الميادين التي تعود بعظيم الفوائد على الأبدان والنفوس؛ عن استغلاله الوحشي للإنسان وموارد الطبيعة؛ عن عجزه عن أن يوفر للبشرية نظام أمان وحماية من الأوبئة..إلخ. حتى الآن، لا يبدو أن رأس المال كائن عاقل يتعظ من التجربة؛ ما زالت ألسنته، وألسنة لوبياته تسبّح بحمد الربح وفرصه التي «قد» تلوح من خلف هذه الجائحة.

abbelkeziz@menara.ma