الرئيسية / أخر المستجدات / ما بعد كورونا؟

ما بعد كورونا؟

الدكتور عبد الواحد الفاسي/

في يوم فاتح ماي تتبعتُ كلمات الهيئات النقابية ببلادنا وما جاء فيها وما كنت أنتظروهو التخوف مما بعد مرحلة كورونا والرفض لاستغلال وباء كورونا من أجل تسريح العمال والمس بالحقوق المكتسبة للطبقة الشغيلة. وهذا طبيعي بحيث لا يعني أن الطبقة الشغيلة لا تنخرط في المجهود الجماعي والتضامن المبذول من أجل التغلب على هذه الجائحة. ولكن هذا تنبيه ، بل مطلب موجه للمسؤولين لكي لا ينسوا أن هناك ما بعد كورونا. وأن كل المشاكل الاجتماعية التي كانت قبل حالة الإنذار لا زالت موجودة وتنتظر الوقت المناسب لتنطلق من جديد وربما بحدة أكبر. وبالتالي من الأفضل أن نبحث عن دواء مثل ” الكلوروكين ” لمنع الفتنة من الإنتشار. ” الفتنة نائمة ، لعن الله من أيقظها ” .

وهنا أظن أنه  من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار خطورة “سياسة النعامة” . لأنه، والحمد لله، الجانب الصحي يتحمله ويقوم به – كما يتطلب ذلك – المعنيون من أطباء وممرضين ورجال السلطة.  وإن شاء الله سنخرج من هذه الأزمة بأقل الأضرار بفضل المواقف العظيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس والتعليمات التي أمر بها والحنكة والوطنية التي أبان عنها كل من سهر على تطبيق هذه التعليمات ميدانيا وحكمة الشعب المغربي الذي استجاب – بأغلبيته – واحترم إجراءات الحجر الصحي رغم صعوبته، باستثناء بعض ما يمكن أن نصفهم “بالمازوشيست الساديين ” وعددهم محدود وقليل والحمد لله.

لكن ، بعد جلاء جائحة كورونا كيف سيكون الوضع إذا لم نستبق الأحداث ونعمل على وضع خريطة طريق متفق عليها مع الشركاء الاجتماعيين والأحزاب والنقابات وكذلك التنسيقيات إن اقتضى الحال ذلك. حيث أن كل شيء ممكن إذا كان هناك حوار مبني على أساس مبدأ ” رابح رابح ” . وأعتقد أن هذه الاتفاقات إن تمت وكللت بالنجاح فقد تُمَكِّن من تحقيق مرحلة من السلم الاجتماعي الضروري من أجل الرجوع إلى الحالة الطبيعية بما لها وما عليها . وأظن أنه ينبغي استغلال عنصر أساسي عرفته هذه المرحلة والذي مكَّن من تحقيق النجاح في تدبيرها ألا وهو عنصر الثقة. إنها فعلا ثقة مرتبطة بالظرفية الحالية ، لكن يجب علينا أن نستثمرها بعد  جلاء الوباء.

وهنا لابد من أن أشير إلى أن ظهور مشروع وباء قانون 22 – 20 قد زعزع وطنا بأكمله حتى قبل تقديمه. لقد زعزع عنصر الثقة الهشة ، وهذا أمر طبيعي لأنه تبين أن الحكومة  اختارت – خلسة – هذا الوقت الذي يوجد فيه الكل في حالة حجر، محبوسون في بيوتهم، لتقوم بتمرير قانون فيه مس بحق أساسي من حقوق الإنسان. هل من المعقول أن تستعمل حكومة محترمة أسلوب “الغفلة”. وهو شيء غير مقبول. ” من غشنا فليس منا ” .

إذا أردتم الحفاظ على جزء  من الثقة، أو ما تبقى منها بعد هذا السلوك اللامسؤول، فأمامكم أسبوعان فقط من الزمن لفتح الحوار مع الكل بصفة استعجالية حتى ندخل إلى مرحلة الجهاد الأكبر. وهذا لا يعني أنه  في 20 ماي ستفتح الأبواب على مصراعيها . إنه أمر مستحيل . الكل يعلم أن رفع الحجر لابد أن يكون تدريجيا وبحسب الحالة الوبائية لكل منطقة . فلنبدأ بالأقاليم الخالية من أي حالة ، ثم ننتقل إلى الجهة ودائما حسب الحالة الوبائية دون فتح الحدود بين الجهات. ونستمر هكذا تدريجيا إلى أن نحرر الوطن بأكمله وتبقى آخر مرحلة هي فتح الحدود بالنسبة للمسافرين مع تشديد المراقبة. ولابد كذلك من الإبقاء على استعمال الكمامات لمدة طويلة بعد رفع الحجر مع التباعد والتطهير. ربما حان الوقت لنغير بعض سلوكاتنا وعاداتنا الاجتماعية كطريقة السلام مثلا.

بالنسبة للأطفال من الأفضل ألا يتم تحريرهم بالموازاة مع الأولين وانتظار أسبوعين أو أكثر وبالتالي فلا رجوع إلى المدارس قبل السنة المقبلة، مع الإستمرار في عملية التدريس عن بعد . وبما أن هناك بعض المشاكل التي تُطرح بالنسبة لهذا الأسلوب فالشهر الأول من الدراسة في الدخول المدرسي المقبل يخصص لمراجعة المواد الأساسية من برنامج الشهرين الأخيرين من السنة الدراسية الماضية.

بالنسبة لسنوات الامتحانات النهائية ، وخصوصا الباكلوريا ، فالأمر سهل لأن هذا امتحان نهاية الدراسات الثانوية وهو اختبار لملكات الطالب وتحصيله بعد كل هذه السنوات من الدراسة . وبالتالي يمكن أن يشمل الامتحان ما يتعلق بالخمسة أشهر التي مرت فيها الدراسة بشكل عادي ومنتظم قبل إغلاق الأقسام . فلكل سنة استثنائية حلول استثنائية. وأذكر أنه في السنة الماضية وبعد خمسة أشهر من الإضراب كانت  نسبة  النجاح في الباكلوريا 82 % وبدون حجر صحي أو دروس عن بعد . وربما غدا إذا استمرت الأمور كما هي فستنتهي المشكلة في شهر يوليوز .

لا أظن أنه ستكون هناك عودة “لكوفيد19” كوباء ، ولكن لابد من اليقظة والحذر. وهذا دور وزارة الصحة التي اكتسبت الخبرة الكافية في هذا الميدان. إن الثقة في المستقبل .

لا أريد أن أتدخل في الجانب السوسيو-اقتصادي ، ولكن كل عمل يحتاج إلى موارد مالية خارقة للعادة واستثنائية لمدة  6 أشهر حتى تتحرك عجلة الاقتصاد وتعود فرص الشغل – على الأقل – إلى نقطة الانطلاق. إذن من الضروري أن نحتفظ بصندوق “الكوفيد 19” مُطعَّما باستمرار. وهنا لابد من الاحترام والتقديرلكل من ساهم بأموال طائلة في هذا الصندوق. وأذكر أنه حسب فتوى فقهية يمكن أن يُعتبر كل عطاء مستقبلي تسبيقٌ عن الزكاة بعد النية. (والله يَخْلَف على الجميع) . ما أجمل مزج الدين بالوطنية. (الله يرفعْ عنا هذه الجائحة) .

قبل النهاية أريد أن أعترف أن الحجر الصحي فيه إيجابيات لا يمكن أن ننساها. أهمها النقص من التلوث ( ناقص 58 % حسب دراسة في امريكا اللاتينية ). انخفاض كبير لحوادث السير. الاقتصاد في المحروقات. انخفاض نسبة الجرائم كالسرقة والاغتصاب ….ارتفاع درجة التضامن والتكافل والوطنية ( الكرم ) إضافة إلى بروز الأدمغة والكفاءات ، الخ… فكيف نعمل للحفاظ على هذه المكتسبات ؟ هذا هو السؤال..

الرباط في : 4 ماي 2020